ثم بعث الله عيسى ابن مريم رسولًا إلى بني إسرائيل، مصدقًا لما بين يديه، وليحل لبني إسرائيل بعض الذي حرم عليهم بكفرهم: (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ، وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [1] .
(وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَاكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَطِيعُونِ) [2] .
ونلاحظ هنا ملاحظات ..
إننا هنا أمام مقتضيات للا إله إلا الله لم تنزل لمواجهة انحرافات معينة وقع فيها القوم الذين أرسل إليهم الرسول، إنما هي توجيهات ابتدائية، هدفها إقامة"أمة"على نهج رباني؛ أمة لها مشخصات خاصة، يقوم بناؤها على رابطة العقيدة: رابطة لا إله إلا الله (وإن اجتمعت لها روابط أخرى قومية، أو عرقية وأو لغوية .. إلخ) ويكون أساس حياتها التشريع الرباني والتوجيهات الربانية، لتكون"أمة ربانية"، ووُصِلَت لها هذه التشريعات والتوجيهات بأصل العقيدة -بلا إله إلا الله- فقيل لها في وضوح وصراحة:"وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ"فاتصل الحكم بما أنزل الله في حياتها بأصل الاعتقاد: بقضية الكفر والإيمان. ومن ثم فهي ليست"توجيهات أخلاقية، يأخذ الناس بها أو لا يأخذون، ويأخذون منها ما يعجبهم، أو يتركون، إنما هي إلزام، وإلزام متصل بأصل الإيمان .. فلا إيمان إلا بالحكم والتحاكم إلى ما أنزل الله."
وقد نلاحظ كذلك أن هذا الأمر: وهو ارتباط التشريع بالعقيدة، ونزول مقتضيات للا إله إلا الله تشتمل على"دستور"كامل [3] ، قد ارتبط به قيام"أمة"قدّر الله لها في علمه أنها أمة باقية في الأرض إلى قيام الساعة [4] ..
(1) المائدة: 46 - 47.
(2) آل عمران: 49 - 50.
(3) كان هذا الدستور وافيًا بمتطلبات تلك الأمة في الأمد الذي قدره الله لبعث رسول جديد بدستور أكمل.
(4) ورد في شأن اليهود في القرآن الكريم: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) [الأعراف: 167] وفي ذلك إشارة إلى بقاء هذه الأمة إلى يوم القيامة رغم انحرافاتها التي أخرجتها من رحمة الله في الدنيا والآخرة.