الصفحة 15 من 105

ثم انحرفت هذه الأمة انحرافات كثيرة عن مقتضيات لا إله إلا الله التي أنزلها الله عليها لتكون"أمة ربانية".. فحولت رسالتها، لتكون أمة عرقية منحصرة في داخل نفسها [1] ، وخيّل لها الوهم الشيطاني أنها"شعب الله المختار"بذاتها، ولصفات معينة فيها ليست في غيرها، وليس لأنها كانت -وقت اختيارها- مؤمنة بالله على بصيرة .. وحرفت عقيدتها فقالت عزير ابن الله، وحرفت شريعتها فأبقت منها ما أبقت وأزالت ما أزالت، ولوت أعناق ما نزل إليها، ليوافق أهواءها [2] .. فأرسل الله لها أنبياء لا يحصيهم العد، ثم أرسل إليها في النهاية رسولًا جديدًا، ليستحيي منها من يصلح للاستحياء، وتكتب اللعنة على الكافرين ..

وجاء عيسى -عليه السلام-؛ لينقى لمن استحياهم من الأمة الأولى عقيدتهم، ويردها إلى التوحيد الخالص، ويربط بالتوحيد التحاكم إلى ما بقى معتمدًا من أحكام التوراة، مع التعديلات التي جاء بها الإنجيل، وليكون هذا وذاك من أصل الإيمان بلا إله إلا الله، ولتكون"الأمة الربانية"الجديدة هي"الذين قالوا إنا نصارى"، أمة تؤمن بالله على بصيرة، وتحكم بما أنزل الله ..

ولكن"الذين قالوا إنا نصارى"لم يستقيموا طويلًا على طريق الله ..

فمن ناحية العقيدة قالوا إن المسيح ابن الله، وقالوا إن الله ثالث ثلاثة، فأفسدوا عقيدة التوحيد الصافية. ومن ناحية أخرى فصلوا العقيدة عن الشريعة فلم يحكموا بما أنزل الله، وإنما بما قرر قيصر، زاعمين أن المسيح -عليه السلام- هو الذي وجههم لذلك إذ قال لهم: أدّ ما لقيصر لقيصر وما لله لله! وجعلوا أحكام الشريعة"توجيهات أخلاقية"يأخذ بها الأتقياء بدافع التقوى، وليست إلزامًا كما قررها الله؛ ليلتزم بها كل الذين قالوا إنا نصارى بلا خيار.

وجاء شاول اليهودي -الذي زعم الإيمان بالمسيح بعد أن كان من أشد أعدائه، ومن أقساهم على أتباعه -فنشر هذا"الدين"المحرف زاعمًا أنه هو الدين السماوي المنزل من عند الله، وأذاعه في رقعة واسعة من الأرض، بينما هو -في أصله المنزل- لم يكن رسالة عالمية، إنما كان موجهًا إلى الأمة الأولى لاستحياء من يصلح للاستحياء منها، ليحملوا الشعلة المقدسة -شعلة التوحيد والإيمان- حتى يحين الوقت المقدر في علم الله لإرسال الرسول الخاتم -صلى الله عليه وسلم-.

وكان في قدر الله أن تبقى هذه الأمة -رغم انحرافاتها- إلى يوم القيامة.

قال تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [3] .

(1) يدعي اليهود نقاء"دمائهم"وكونهم كلهم من بني إسرائيل، وهي دعوى يكذبها الواقع. فاليهود الشقر، الزرق العيون، ليسوا بالتأكيد من بني إسرائيل، ولا من الجنس السامي الأسمر البشرة ذي العيون الداكنة، ولكنهم من يهود دولة الخزر الذين تهودوا في القرن العاشر الميلادي ثم دهمهم الروس في القرن الرابع عشر فشتتوهم في بقاع أوربا المختلفة. كما أن تقرير الدستور اليهودي أن اليهودي من كانت أمه يهودية، معناه ضرب الصفح عن الآباء .. من أي جنس كانوا!!

(2) في التوراة المنزلة نص يحرّم الربا ولكنهم حرفوه؛ ليجعلوا التحريم مقصورًا على التعامل بين اليهود بعضهم وبعض، أما"الأميون"-أي كل الأمم من غير اليهود- فقد أباحوا كل أموالهم بالربا وغيره، وقالوا"لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ" [آل عمران: 75] .

(3) المائدة: 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت