وقيل لقوم لوط: (أَتَاتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ) [1] .
وقيل لأصحاب الأيكة: (أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ، وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ، وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [2] .
فاختلفت التوجيهات الربانية باختلاف انحرافات تلك الأقوام، وإن كانت -بالنسبة لكل قوم- داخلة في المقتضى العام للا إله إلا الله، وهو الالتزام بما جاء من عند الله.
وعند هذا الحد نلحظ ملاحظة مبدئية: أن"لا إله إلا الله"لم تكن قط عقيدة فحسب، إنما كانت دائمًا -إلى جانب العقيدة- توجيهات ربانية تتناول جوانب الحياة المختلفة. ومع أنه لم يرد عنها ذكر مفصل في القرآن الكريم بالنسبة للأقوام الأولى، إلا أنه قد ورد منها ما يكفي لبيان"نوعيتها". فهي تارة توجيهات اجتماعية خلقية (كما هو الحال مع قوم لوط) وتارة اجتماعية"نفسية"لمعالجة الكبر والطغيان في الأرض والاعتزاز بالقوة المادية (كما هو الحال مع عاد) وتارة اجتماعية اقتصادية (كما هو الحال مع أصحاب الأيكة) .
كما نلحظ ملاحظة أخرى: أن تلك الأقوام الجاهلية قد استنكرت من رسولها أن يتدخل"الدين"الذي جاء به في شئونهم الدنيوية، التي خيّل لهم الوهم الجاهلي أنها من شئون البشر، يحلون فيها ويحرمون كما يحلو لهم، وليس"للدين"أن يتدخل فيها!
وأبرز نموذج لهذه القضية اعتراض قوم شعيب على رسولهم: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [3] إذ أنهم لم يعترضوا على الجانب العقدي من الدعوة وحده، حين دعاهم رسولهم إلى نبذ الآلهة الزائفة وعبادة الله وحده، إنما اعترضوا بروح"علمانية"على تدخل الدين في شئونهم"الحياتية"!
(قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَامُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) [4] .
وفي مرحلة أخرى من مراحل نمو البشرية أنزل الله التوراة على بني إسرائيل:
(إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [5] .
(1) الشعراء: 165 - 166.
(2) الشعراء: 181 - 183.
(3) هود: 84 - 85.
(4) هود: 87.
(5) المائدة: 44 - 45.