إنه حتى في هذه الحالة"عابد".. ولكنه عابد لغير الله.
وحين يكون الأمر على هذا النحو، فالقضية ليست قضية"العبادة"في ذاتها، فكل الناس عابد! وإنما هي قضية"العبادة الصحيحة".. أو قل إنها قضية"المعبود"!
من المعبود؟! آلله الذي لا إله إلا هو؟ أم آلهة أخرى -معه أو من دونه- لا ألوهية لها في الحقيقة، ومن ثم فلا تجوز لها العبادة ولا الطاعة ولا الانصياع؟
وتلك قضية البشرية في التاريخ كله، وستظل هي القضية حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وبقدر ما تصغّر الجاهلية المعاصرة من هذه القضية؛ لتداري سوأتها، وتبرر انحرافاتها .. يتركز الحديث في كتاب الله على هذه القضية ذاتها، بقدر ما لها من الأهمية في واقع حياة الإنسان، لا في الحياة الدنيا وحدها، ولكن في الآخرة كذلك، وهي الأطول والأدوم وهي"الحيوان"، أي الحياة الدائمة التي تستحق أن تعاش ..
( .. وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [1] .
فعلى أساس هذه القضية يتحدد منهج حياة الإنسان في الأرض: اعتقاده وفكره، أخلاقه وسلوكه، تصوراته وتصرفاته، علاقته بربه وعلاقته بنفسه ومجتمعه، وعلاقته بالكون كله من حوله .. حربه وسلمه، سياسته واقتصاده، علومه وفنونه .. وكل شيء في حياته.
وعلى أساس هذه القضية ذاتها يتحدد مصيره في الآخرة: إلى الجنة أو النار .. إلى نعيم مقيم أو عذاب مقيم ..
هل يمكن أن يوجد في حياة الإنسان أخطر من هذه القضية التي تجمع في طياتها قضايا الوجود كله؟!
ومع ذلك تصغّر الجاهلية المعاصرة من شأنها حتى لتكاد تطمس آثارها .. ؛ لتخرج الناس من عبادة الله إلى عبادة الشيطان، وتخرجهم من النور إلى الظلمات:
(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) [2] .
(اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [3] .
"لا إله إلا الله"معناها عبادة الله وحده، والالتزام بما جاء من عند الله.
فأما مبدأ الالتزام فلم يتغير -وليس من طبيعته أن يتغير- من رسالة إلى رسالة خلال التاريخ، لذلك جاءت قصص الأنبياء في القرآن الكريم موحدة الصورة موحدة الألفاظ:"اعبدوا الله ما لكم من إله غيره".
أما تفاصيل الالتزام -أو قل تفاصيل المقتضيات المترتبة على لا إله إلا الله- فقد تغيرت من رسالة إلى رسالة، حتى جاءت الرسالة الأخيرة التي أنزلت على الرسول الخاتم -صلى الله عليه وسلم-.
وقد ورد في القرآن الكريم إشارة إلى بعض هذه المقتضيات التي أنزلت لإصلاح انحرافات معينة في سلوك تلك الأمم، وهي ليست بالضرورة كل ما نزل من عند الله على هؤلاء الأقوام.
فقد قيل لعاد: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) [4] .
وقيل لثمود: (أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ، وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ، الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) [5] .
(1) العنكبوت: 64.
(2) يس: 60 - 61.
(3) البقرة: 257.
(4) الشعراء: 128 - 131.
(5) الشعراء: 146 - 152.