واختصاص واقع الدعوة في التصور القدري مثال الكوني وهو النحل ولهذا يقول ابن القيم: ولما كانت النحلة من أنفع الحيوان وأبركه قد خصت من وحي الرب تعالى وهدايته بما لم يشاركهما فيه غيرها، وكان الخارج من بطنها مادة الشفاء من الأسقام والنور الذي يضئ في الظلام بمنزلة الهداة من الأنام، وكانت أكثر الحيوان أعداء وكان أعداؤها من أقل الحيوان منفعة وبركة، وهذه سنة الله في خلقه وهو العزيز الحكيم.
وأساس التماثل في الاختصاص بين الدعاه والنحل، هو حقيقة العلاقة بين الأداة والغاية في قدر الله سبحانه وتعالى، وتفسير هذه العلاقة أن الغاية عندما تكون قدرا الهيا خالصا فإن أداته لابد ان تكون هي الأخرى لها نفس الصفة، وإذا كان بقاء المركز لدائرة العالم كله، بحيث لو أردنا رسم دائرة للعالم لكان لزاما، وضع السن على الكعبة المشرفة ليمكن رسم هذه الدائرة.
هذا الدين قدرا ألهيا خالصا فان الدعوة هي أداة البقاء لهذا الدين، لابد، هي الأخرى أن تكون قدرا الهيا خالصا.
والدعاة إلى دين الله اصلا من أصول الدعوة التي ينطبق عليها تلك القاعدة وانطباق تلك القاعدة على الدعاة هو الذي يحتم أن يكون الايمان بالنبي أمرا قدريا وهو مايسمي من الناحية السلوكية الهاما ووحيا، وهو تفسير قول الله تبارك وتعالي: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي) .
والانتقال بتلك القاعدة إلى النحل لإثبات التماثل في مفهوم الاختصاص من خلال الوحي، هو الذي يفسر لنا قول الله عز وجل: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا) .
وبادئ ذي بدء فإننا نعلم أن الكون كله قائم بحقيقة الهداية لقوله تعالى: (الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) ، وقول لله عز وجل: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) .
وعلى هذا فأن أختصاص النحل لايمكن أن يكون الا اختصاص كونيا لهذا النوع دون سائر الأنواع.
وبرغم الملاحظة المتعلقة بالوحي إلى النحل الا اننا لانجده يتعدي السلوك التقليدي لأي حيوان: (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) ، وهو الأمر المعتاد في كل السلوك الحيواني المماثل للنحل لنفهم من هذه الملاحظة أن حركة النحل بصفتها العادية التقليدية وحيا من الله ومن هنا يكون التساؤل ولماذا يكون حركة النحل التقليدية وحيا من الله؟
وتطبيق قاعدة العلاقة بين الأداة والغاية، في قدر الله، هو الإجابة على التساؤل. وتطبيق تلك القاعدة على النحل يبدأ بتحديد حقيقة الاختصاص في النحل والذي يتحدد من خلال ظاهريتن:
الأولى: أن النحل هو الحيوان الوحيد القادر على تحديد النوع في تكاثره فعندما يلقح الذكر الملكة فإنها تحمل لقاح الذكور والإناث، ثم تحدد بنفسها القدر المطلوب من الذكور والإناث، وتحديد النوع هو في الأصل، فعل قدري خالص ومن هنا لزم أن تكون كل حياة النحل وحيا من الله ليتم من خلاله اختيار النوع ليكون هذا الاختيار وحيا من الله وقدرا خالصا.
الثانية: أن النحل هو الذي يخرج من بطونه العسل. وحقيقة الاختصاص في هذا أن العسل مادة ليس لها مثيل من حيث كونها شفاء، بالمعنى المطلق، باعتبارها دواء من كل داء، ولا يسبب عرضا ضارا بأي حال من الأحوال مما تقتضي أن لا تخرج النحلة عن حدود الإلهام الذي يحقق فيها الخير المناسب لأن تكون أداة لإخراج العسل بصفته الكونية الخاصة.