الصفحة 100 من 164

ونعود إلى ما فهمناه من ملاحظة الوحي إلى النحل وهو أن المقصود أن تكون حركة النحل وسلوكه بالصفات العادية والتقليدية وحيا من الله.

ومن منطق التماثل في الاختصاص القدري بين واقع الدعوة والنحل كان تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم الدعاة بالنحل في قول (إن مثل المؤمن كالنحلة كانوا في الناس كالنحلة في طيرانه) [1] ، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام عندما رأي بلالا ينتقل في قراءاته للقرآن بين السور والآيات: (إن مثل بلال كالنحلة تأكل طيبا وتضع طيبا، ثم هو حلو كله) [2] .

غير أن هناك تشبيها جامعا من النبي صلى الله عليه وسلم للدعاه يجمع صفتين أساسيتين للدعاه وهي صفة المعدن الغالي القليل في الأرض بجانب صفة النحل، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمد بيده أم مثل المؤمن لكمثل القطعة من الذهب نفخ عليها صاحبها فلم تغير ولم تنقص والذي نفس محمد بيده ان مثل المؤمن لكمثل النحلة أكلت طيبا ووضعت طيبا ووقعت فلم تكسر ولم تفسد ... ) .

وفي إطار المقارنة بين الدعاه والنحل جاء قول على بن أبي طالب: (كونوا في الناس كالنحلة في طيرانها ليس من الطير شيء إلا وهو يستضعفها ولو يعلم الطير ما في اجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها.

اختصاص الدعوة من حيث مفهوم الجمال الكوني:

والحقيقة أن هذا الاختصاص أمر يجب أن يدرك فإن الدعوة بكل عناصرها مقاييس مطلقة للجمال.

المصحف ... كتاب الله منهج الدعوة ... مقياس مطلق الجمال:

وهكذا كان يراه الصحابي الذي وصف النبي صلى الله عليه وسلم عند موته فقال: .. (وكأنه وجه ورقة مصحف) ، لم يقل كالقمر ولكنه قال: ورقة مصحف، وهذا هو التصور الإسلامي لجمال النبي ... رسول لله ... وصاحب الدعوة ... مقياس بشري للجمال.

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) ، وهكذا كان يراه الصحابي الذي وصفه عندما كان يخطب فيقول: وكأن الشمس تجري في وجه. كان عرقه مسك. وهكذا كانت تفعل أم سليم ... كانت تأخذ عرقه وتتطيب به

وبنفس التصور الإسلامي للجمال يحدد ابن القيم أجمل الثياب ونفاجا آنها عنده ثوبان: ثوب كان يلبسه النبي لاستقبال الوفود وليس الجمال فيها لذاتها ولكن الجمال فيها أنها لاستقبال الوفود والدليل على ذلك هو الثوب الثاني أداة الحرب. فبالطبع ليس في زي القتال جمالا في ذاته ولكن الجمال فيه أنه للقتال.

يقول ابن القيم: الجمال في الصورة واللباس والهيأة ثلاثة أنواع: منه ما يحمد، ومنه ما يذم، ومنه ما لا يتعلق به مدح ولا ذم. فالمحمود منه ما كان لله وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة له كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتجمل للوفود وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال، ولباس الحرب والخيلاء فيه فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه ...

والشهداء، رجال الدعوة، أرواحهم في حواصل طير خضر معلقة في قناديل في عرش الرحمن ... صورة جمالية رائعة ... طير خضر ... الجنة ... قناديل معلقة ... عرش الرحمن ...

(1) أخرجه ابن حبان رقم (247) ، والطبراني في الكبير (204/ 19) من حديث أبي رزين بلفظ: (مثل المؤمن مثل النحلة لا تأكل إلا طيبا وتضع إلا طيبا) ، وغيرهم وسنده حسن 0

(2) أخرجه الطبراني في الأوسط رقم (181) من حديث أبي هريرة بلفظ: (مثل بلال كمثل نحلة غدت تأكل من الحلو والمر ثم هو حلو كله) ، وفيه دارج أبو السمح عن أبي الهيثم وهو ضعيف في أبي الهيثم ومع ذلك حسنه الهيثمي في المجمع (300/ 9) فتساهل 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت