الصفحة 101 من 164

والبقعة الأرضية التي انطلقت منها الدعوة روضة من رياض الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) [1] .

وأمة الدعوة التي هي خير أمة أخرجت للناس يضرب لها النبي صلى الله عليه وسلم مثلا فيكون هذا المثل هو الحديقة: (مثل أمتي كالحديقة أطعم منها فوج عاما، ثم أطعم منها فوج عاما، ثم أطعم منها فوج عاما لعل آخرها أن يكون أعرضها عرضا وأعمقها عمقا وأحسنها حسنا) [2] .

الدعوة أجمل شيء وأحسن شيء بل أنها هي التي تعطي للوجود حسنه وجماله: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) . خامسا: اختصاص واقع الدعوة من حيث السنن:

وبعد معالجة اختصاص واقع الحركة الإسلامية من خلال الحكمة وهي أصل الأسماء والصفات من خلال الواقع بصفته البشرية وصفته الكونية بصورة مستقلة.

فإننا نعالج الاختصاص القدري لواقع الحركة الإسلامية بصفتيه البشرية والكونية بصورة جامعة، أي الاختصاص الجامع للصفتين معا وهي قضية السنن حيث أن السنن هي القواعد الحاكمة للواقع البشري والكوني في وقت واحد باعتبار أن السنة هي فعل الله وعادته في جميع خلقه.

واختصاص واقع الدعوة من حيث السنن يقوم على ثلاث مقتضيات:

-مقتضى طبيعة الحق.

-مقتضى طبيعة الدين.

-مقتضى طبيعة الدعوة.

وبمقتضي طبيعة الحق ... تكون سنة قلة أهله وابتلائهم وبقائهم ... وفي النهاية غلبتهم.

أما سنة قلة أهل الحق ففيها يقول ابن القيم: فإن قيل فما الحكمة في كون الكفار أكثر من المؤمنين، وأهل النار أضعاف أهل الجنة، كما قال تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) ، وقال: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) ، وقال: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) ، وقال: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) .

وبعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وواحد إلى الجنة وكيف نشأ هذا عن الرحمة الغالبة، وعن الحكمة البالغة وهلا كان الأمر بالضد من ذلك؟!

قيل هذا السؤال من أظهر الأدلة على قول الصحابة والتابعين في هذه المسألة وأن الأمر يعود إلى الرحمة التي وسعت كل شيء، وسبقت الغضب، وغلبته؛ وعلى هذا فاندفع السؤال بالكلية.

ثم نقول المادة الأرضية اقتضت حصول التفاوت في النوع الإنساني، كما في المسند والترمذي عنه صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فكان منهم الطيب والخبيث والسهل والحزن) [3] وغير ذلك. فاقتضت مادة النوع الإنساني تفاوتها في أخلاقهم وإرادتهم وأعمالهم، ثم اقتضت حكمة العزيز الحكيم أن ابتلي المخلوق من هذه المادة بالشهوة والغضب، والحب والبغض ولوازمها، وإبتلاه بعدوه الذي لا يألوه خبالا ولا يغفل عنه، ثم ابتلاه مع ذلك بزينة الدنيا وبالهوي الذي أمر بمخالفته، هذا على ضعفه وحاجته، وزين له حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسمومة والأنعام والحرث، وأمره بترك قضاء أوطاره وشهواته في هذه الدار الحاضرة العتيدة المشاهدة إلى دار أخرى غايته إنما تحصل فيها بعد الدنيا والذهاب بها.

(1) سبق تخريجه قريبا وهو صحيح 0

(2) أخرجه أبو نعيم من حديث عبد الرحمن بن سمرة. انظر كنز العمال رقم (34570/ 12)

(3) سبق تخريجه في أول الكتاب وهو في المسند 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت