الصفحة 102 من 164

وكان مقتضى الطبيعة الإنسانية ان لا يثبت على هذا الابتلاء أحد، وأن يذهب كلهم مع ميل الطبع ودواعي الغضب والشهوة فلم يحل بينهم وبين ذلك خالقهم وفاطرهم، بل أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وبين لهم مواقع رضاه وغضبه ووعدهم على مخالفة هواهم وطبائعهم أكمل اللذات في دار النعيم فلم تقو عقول الأكثرين على إيثار الآجل المنتظر بعد زوال الدنيا على هذا العاجل الحاضر المشاهد، وقالوا كيف يباع نقد حاضر، وهو قبض باليد، بنسيئة مؤخرة وعدنا بحصولها بعد طي الدنيا وخراب العالم، ولسان حال أكثرهم يقول: خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به.

فساعد التوفيق الإلهي من علم أنه يصلح لمواقع فضله فأمده بقوة إيمان وبصيرة رأي بضوئها حقيقة الآخرة ودوامها؟ وما أعد الله فيها لأهل طاعته وأهل معصيته، ورأي حقيقة الدنيا وسرعة إنقضائها وقلة وفائها وظلم شركائها وأنها كما وصفها الله سبحانه: لعب ولهو وزينة وتفاخر بين أهلها وتكاثر في الأموال والأولاد وأنها كغيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما.

فلو كان أهل الخير والايمان هم الأكثرين الغالبين لفاتت مصلحة الجهاد وتوابعه التي هي من أجل أنواع العبودية وفات الكمال المترتب على ذلك فلا أحسن مما اقتضاه حكمة أحكم الحاكمين.

كما هو الواقع في جوهر المعادن المنتفع بها من الذهب والفضة والحديد والصفر: فخلاصة هذه المواد وطيبها أقل من وسخها وخبثها، والناس زرع الأرض، والخير الصافي من الزرع بعد زوارته وقصله وعصفه وتبنه أقل من بقية الأجزاء وتلك الأجزاء كالصور له والوقاية، كالحطب والشوك للثمر، والتراب والحجارة للمعادن النفيسة

وكذلك قوله: ويجب أن يلاحظ أن ذوي الطبائع الفاسدة من الناس أكثر عددا. كما يرتبط بهذه السنة كثرة أعداء أهل المنفعة في هذا الوجود، ومثال ذلك ماقال ابن القيم في النحل: لما كانت النحلة من أنفع الحيوان وأبركه قد خصت من وحي الرب تعالى وهدايته بما لم يشركها فيه غيرها، وكان الخارج من بطونها مادة الشفاء من الأسقام، والنور الذي يضئ في الظلام بمنزلة الهداة من الأنام وكان أكثر الحيوان أعداء وكان أعداؤها من أقل لحيوان منفعة وبركة، وهذه سنة في خلقه وهو العزيز الحكيم، ولهذا يشبه النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالنوق الكثيرة التي يندر فيه مايصلح للانتفاع بها في قوله عليه الصلاة والسلام: تجدون الناس كإبل مائة لايجدون الرجل فيها راحلة [1] .

وهذه سنة قلة أهل الحق.

أما سنة ابتلائهم؛ ففيها يقول ابن القيم: والبلاء من سنن إظهار الحق إذ به يظهر صدق الايمان كما قال الله تعالى: (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) .

وفي تفسير الآية يذكر ابن القيم في كتاب الفوائد، نقلا عن ابن تيمية، قوله: فالناس إذا ارسل إليهم الرسل بين أمرين: إما أن يقول أحدهما أمنا، واما ان لا يقول امنا بل يستثمر على عمل السيئات، فمن قال أمنا امتحنه الله عز وجل وابتلاه وألبسة ثوب الابتلاء والاختبار ليبين الصادق من الكاذب، ومن امن بالرسل وأطاعهم عاداه الناس واذوه فابتلي بما يؤلمه، وإن لم يؤمن بهم، أي بالرسل، عوقب فحصل له مايؤلمه أعظم وأدوم فلابد من حصول الألم لكل نفس أمنت أم كفرت.

(1) البخاري في الرقائق رفع الأمانة ومسلم في فضائل الصحابة رقم 2547

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت