بعد عرض التصور القدري العام من خلال ارتباط الخلق بلأسماء والصفات وتحديد المقتضي الواقعي لهذا التصور، وتحديد الاختصاص القدري لواقع الدعوة؛ يكون قد تم التقديم التام للموضوع الأساسي للكتاب وهو التصور القدري لمنهج الحركة الإسلامية. والحقيقة أن هذا القسم هو أهم الأقسام لأنه يمثل الحقائق التطبيقية المباشرة في منهج الحركة الإسلامية.
وبهذا يكون هذا القسم هو المقتضي المنهجي للتصور القدري العام، والمقتضي المنهجي يمثل أساسية هامة في دين الله عز وجل وهي الربط بين العقيدة والعمل.
وفي سورة الرحمن تحقق الافتتاحية الربط بين التصور والتكليف فيتحقق الربط بين أسماء الله الحسنى من خلال اسم (الرحمن) .
مع الدين من خلال (تعليم القرآن) :
مع الوجود الإنساني من خلال (خلق الإنسان) مع الوجود الكوني العام من خلال الشمس والقمر والنجم والشجر والسماء.
ليتحدد في النهاية المقتضي المنهجي والتكليفي لهذا الربط التصوري وهو لنهي عن الطغيان في الميزان فتكون مجمل الآيات: (الرَّحْمَن عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْأِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) ، والتصور القدري لمنهج الحركة الإسلامية يقوم على عدة قضايا أساسية هي:
الأولى: قرآنية المنهج الحركي للدعوة، وتفسير الفاعلية القدرية للنص القرآني.
الثانية: التصور القدري للدفع بين الإسلام والجاهلية. ويشمل تحديد مقتضيات وافتراضات هذا الدفع.
الثالثة: المقتضي المنهجي لعلامات الساعة من حيث:
أ) تقدير الزمان.
ب) العلاقة بين النص الإخباري والتكليفي في إطار مهمة التحديد المنهجي للدعوة.
الرابعة: التصور القدري لمنهج التربية.
الخامسة: التصور القدري لأساليب الدعوة الأساسية: التبليغ ... القتال ... قيام السلطة الإسلامية.
أولا: التصور القدري لقرآنية المنهج:
وبخصوص قرآنية المنهج نود أن نوضح أنها لا تعني فقط مجرد توافق الحقائق المنهجية مع القرآن، ولا تعني أن يكون القرآن مجرد أساس نظري للمنهج؛ ولكنها تعني أن يكون القرآن بذاته سوره وآياته وكلماته ترتيبها وموضوعيتها وأسباب نزولها هي مصدر الفاعلية القدرية للقرآن وغياب هذا المعنى هو الذي تسبب، بالمقام الأول، في الحرمان من تلك الفاعلية؛ كما تسبب في طغيان الطبيعة الفكرية البشرية على منهج الدعوة.
فالقرآن هو الضرورة الثابتة الباقية لحياة الدعاة ومنهجهم؛ ولذلك نري رسول الله صلى الله عليه وسلم يدارس ويراجع القرآن مع جبريل مرة واحدة كل عام في رمضان، حتى جاء العام التي توفي فيه؛ فراجعه مرتين، إن هذه المرة الأخرى هي حساب الأيام التي تكون بعد رمضان دون أن يأتي رمضان آخر؛ ولأجل هذه الأيام كان قراءة القرآن مرتين.
والقرآن هو قضية الدعوة وأسلوبها، ومن هنا كان قول الله عز وجل: (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) . الذي يعني قرآنية المواجهة من حيث أسلوب البلاغ. وفيه يقول ابن تيمية: والتعبير عن حقائق الإيمان بعبارات القرآن أولى من التعبير عنها بغيرها؛ فإن ألفاظ القرآن يجب الإيمان بها وهي تنزيل من حكيم حميد، والأمة متفقة عليها ويجب الإقرار بمضمونها قبل أن تفهم، وفيها من الحكم والمعاني ما لا تنقضي عجائبه. والألفاظ المحدثة فيها إجمال واشتباه ونزاع؛ ثم قد يجعل اللفظ حجة بمجرده، وليس من قول الرسول الصادق المصدوق، وقد يضطرب في معناه، وهذا أمر يعرفه من جربه من كلام الناس.