الصفحة 111 من 164

فالاعتصام بحبل الله يكون بالاعتصام بالقرآن والإسلام كما قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا) ، ومتي ذكرت ألفاظ القرآن والحديث وبين معناها بيانا شافيا، فإنها تنتظم جميع ما يقوله الناس من المعاني الصحيحة؛ وفيها زيادات عظيمة لا توجد في كلام الناس، وهي محفوظة مما دخل في كلام الناس من الباطل كما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، وقال تعالى: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌلا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) ، وفيه من دلائل الربوبية والنبوة والسعادة ما لا يوجد في كلام أحد من العباد [1] .

الفاعلية القرآنية الكونية:

وإدراك الفاعلية الكونية لا يمكن تحقيقه إلا بقياس أثر القرآن في الوجود الكوني بصورته المباشرة. ومن هنا يأتي قول الله عز وجل: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) .

ولكن الفاعلية الكونية المباشرة لا تظهر إلا باعتبار طبيعة الحجية القرآنية وإنه ذو طبيعة عقلية إقناعية [2] .

ومن هنا يجب تصوره باعتباره حجة عقلية من خلال قياسه على جميع المعجزات والخوارق الكونية التي أرسل بها الأنبياء من قبل؛ ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلى فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) [3] .

ويقول ابن كثير في هذا الحديث: إن البراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم ولم يبق منها إلا الخبر عنها، وأما القران فهو حجة قائمة كأنما سمعه السامع من فم رسول الله صلى عليه وسلم إذ لو لم يكن الأمر كذلك لأصبح القرأن أولى الكتب بالفاعلية الكونية الخارقة، ولهذا جاء في قول الله عز وجل: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا) .

قول ابن كثير: يقول الله تعالى مادحا القران الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم ومفضلا له على سائر الكتب المنزلة من قبله: (ولو أن قرأنا سيرت به الجبال) ، أي لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتي في قبورها لكان هذا القران هو المتصف بذلك دون غيره أو بطريق الأولى أن يكون كذلك لم فيه من هذا الأعجاز.

واستمرارا في تفسير الفاعلية القرانية نذكر أن الفاعلية تتحقق من خلال عدة نواحي:

1)الفاعلية من خلال ناحية سبب النزول:

(1) النبوات لابن تيمية ص 22.

(2) شفاء العليل ص 278 - طبعة بيروت)

(3) البخاري في (فضائل القرآن) [3/ 9)، ومسلم رقم (152) في الإيمان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت