ومنه كلمة (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) التي أورد فيها البخاري والنسائي في قول ابن عباس: (حسبنا الله ونعم الوكيل) ، قالها إبراهيم عليه السلام حين القي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) ، فأصبحت سببا باقيا في تفريج أي كربة يقع فيها أي مسلم إلى قيام الساعة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) ، وقال إذا غلبك أمر فقل: (حسبي الله ونعم الوكيل) [1] فدل ذلك على ان الآية باقية الآثر قدرا من خلال سبب نزولها.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم إمتداد فاعلية الكلمة حتى قيام الساعة فقال: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحني جبهته ليستمع متي يؤم فينفخ) . فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما نقول؟ قال: (قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا) .
2)الفاعلية من خلال الصيغة القرآنية:
ومنه قول الله: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) ، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: (لن يغلب عسر يسرين) ، فتقررت حقيقة أن العسر لا يغلب يسرين من تكرار (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) ، مرتين.
3)الفاعلية من خلال الموضوعية القرآنية:
ومعناها أن موضوع الآية أو السورة هو المحقق لفاعليتها مثل تفسير سور المعوذتين التي تكون بها الرقية من الشيطان وفيها الاستعاذة.
ويقع تحت الفاعلية الموضوعية أن تصبح كل الأخبار الواردة في القرآن شاهدا صادقا على البشرية منذ بداية الخلق حتى قيام الساعة. ومثال ذلك أن يأتي القرآن شاهدا على قوم نوح بأن الله أرسل إليهم رسولا.
4)الفاعلية من خلال مصدر الآيات:
ومثالها خواتيم سورة البقرة التي أنزلت من كنز من تحت عرش الرحمن فكان فاعليتها (أن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه خواتيم سورة البقرة) [2] ، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام.
التفسير الأساسي للفاعلية القرآنية:
غير أن التفسير الأساسي للفاعلية الكونية القرانية الذي يؤكد الأرتباط بين مضمون الحق في الايات وفاعليتها الكونية هو سورة الفاتحة، وفيه يربط ابن القيم بين هذا المضمون وتلك الفاعلية من خلال اشتمال الفاتحة على مضمون الحق الكامل، وفاعليتها الكونية الثابتة، فيقول في اشتمال الفاتحة على الرد على جميع المبطلين من أهل الملل والنحل والرد على أهل البدع والضلال من هذه الأمة:
وهذا يعلم بطريقتين مجمل ومفصل:
إما المجمل فهو أن الصراط المستقيم متضمن معرفة الحق، وإيثاره وتقديمه على غيره، ومحبته والانقياد له والدعوة إليه، وجهاد أعدائه بحسب الإمكان.
والحق هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما جاء علما وعملا في باب صفات الرب سبحانه وأسمائه وتوحيده وأمره ونهيه ووعده ووعيده، وفي حقائق الأيمان التي هي منازل السائرين إلى الله تعالى، وكل ذلك مسلم إلى رسول صلى الله عليه وسلم دون اراء الرجال وأوضاعهم وأفكارهم واصطلاحاتهم.
(1) يراجع تفسير قول الله عز وجل (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) .
(2) مسلم في المسافرين رقم 780 والترمذي 2877 في ثواب القران حديث أبي هريرة وليس عندهما لفظة: خواتيم.