فكل علم أوعمل أو حقيقة او حال او مقام خرج من مشكاة نبوته، وعليه السكة المحمدية بحيث يكون ضرب المدينة فهو من الصراط المستقيم، ومالم يكن ذلك فهو من صراط أهل الغضب والضلال. فما ثم خروج عن هذه الطرق الثلاثة طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وماجاء به، وطريق أهل الغضب وهي طريق من عرف الحق وعانده، وطريق أهل الضلال وهي طريق من عرف الحق وعانده، وطريق أهل الضلال وهي طريق من أضله الله عنه، ولهذا قال عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما: الصراط المستقيم هو الإسلام وقال عبد الله بن مسعود وعلى بن أبي طالب رضي الله عنهما: هو القران وفيه حديث مرفوع وهو الترمذي وغيره، وقال سهل بن عبد الله: طريق السنة والجماعة، وقال بكر بن عبد الله المزني: طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولاريب أن ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه علما وعملا وهو معرفة الحق وتقديمه وايثاره على غيره، هو الصراط المستقيم، وكل هذه الأقوال المتقدمة دالة عليه، جامعة له فبهذا الطريق المجمل يعلم أن كل ماخالفه فهو الباطل، وهو من صراط الأمتين أمة الغضب وأمة أهل الضلال.
وأما تضمنها لشفاء الأبدان فنذكر فيه ماجاءت به السنة وماشهدت به قواعد الطب ودلت عليه التجربة، فأما ما دلت عليه السنة، ففي صحيح من حديث أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري أن ناسا من أصحا النبي صلى الله عليه وسلم مروا بحي من العرب فلم يقروهم ولم يضيفوهم فلدغ سيد الحي فأتوهم فقالوا: هل عندكم من رقية أو هل فيكم من راق؟ فقالوا: نعم ولكنكم لم تقرونا، فلا تفعل حتى تجعلوا لنا جعلا، فجعلوا لهم على ذلك قطيعا من الغنم، فجعل رجل منا يقرأ عليه الفاتحة، فقام كأن لم يكن به قلبه [1] لاتجعلوا حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم فأتيناه فذكرنا له ذلك فقال: مايدريك أنها رقية كلوا واضربوا لي معكم بسهم [2] .
فقد تضمن هذا الحديث حصوله شفاء هذا اللديغ بقراءة الفاتحة عليه فأغنته عن الدواء، وربما بلغت من شفائه مالم يبلغه الدواء، وهذا مع كون المحل غير قابل، إما لكون هؤلاء الحي غير مسلمين، أو أهل بخل ولؤم فكيف إذا كان النحل قابلا؟!
ثم يأتي الموضوع المباشر للاستشهاد بقول ابن القيم. ومنكر هذا ليس معدودا من بني آدم إلا بالصورة والشكل فإذا قابلت النفس الزكية العلوية الشريفة التي فيها غضب وحمية للحق هذه النفوس الخبيثة السمية، وتكيفت بحقائق الفاتحة وأسرارها ومعانيها، وماتضمنه من التوحيد والتوكل والثناء على الله وذكر أصول أسمائه الحسنى، وذكر اسمه الذي ماذكر على شر الا أزاله ومحقة، ولاعلي خير الا نماه وزاده دفعت هذه النفوس بما تكيفت به من ذلك أثر تلك النفس الخبيثة الشيطانية، فحصل البرء، فإن مبني الشفاء والبرء على دفع الضد بضده وحفظ الشئ بمثله فالصحة تحفظ بالمثل والمرض يدفع بالضد، أسباب وبطها بمسبباتها الحكيم العليم خلقا وأمرا. ولايتم هذا إلا بقوة من النفس الفاعلة، وقبول من الطبيعة المنفعلة. فلو لم تنفعل نفس الملدوغ لقبول الرقية ولم تقو نفس الراقي على التأثير لم يحصل البرء.
فهنا أمور ثلاثة: موافقة الدواء للداء، وبذل الطبيب له، وقبول طبيعة العليل.
فمن تخلف واحد منها لم يحصل الشفاء، وإذا اجتمعت حصل الشفاء ولابد بإذن الله سبحانه وتعالى.
(1) وما بالعليل قلبه أي مابه شئ لايستعمل إلا في النفي (لسان العرب)
(2) البخاري ومسلم، البخاري في الطب باب النفث في الرقية مواضع من الصحيح ومسلم في السلام رقم 2201