الصفحة 114 من 164

ومن عرف هذا، كما ينبغي تبين له أسرار الرقي، ويميز بين النافع منهما وغيره، ورقي الداء بما يناسبه من الرقي، وتبين له أن الرقية براقيتها وقبول المحل، كما أن السيف يضاربه مع قبول المحل للقطع، وهذه إشاره مطلعة على ماوراءها لمن دق نظرة وحسن تأمله، والله أعلم.

وأما شهادة التجارب؛ بذلك فهي أكثر من أن تذكر، وذلك في كل زمان وقد جربت أنا [1] من ذلك في نفسي وفي غيري أمورا عجيبة، ولاسيما مدة المقام بمكة، فإنه كان يعرض لي الام مزعجة بحيث تكاد تقطع الحركة مني، وذلك في أثناء الطواف وغيره، فأبادر إلى قراءة الفاتحة وأمسح بها على محل الألم فكأنه حصاة تسقط. جربت ذلك مرارا عديدة، وكنت أخذ قدرا من ماء زمزم. فأقرأ عليه الفاتحة مرارا، فأشربه فأجد به من النفع والقوة مالم أعهد مثله في الدواء. والأمر أعظم من ذلك، ولكن بحسب قوة الأيمان وصحة اليقين والله المستعان.

مما سبق من أمثلة تفسر مفهوم الفاعلية القدرية القرانية. ومن ناحية أسباب نزول الأيات وموضوعها وصيغتها ومصدرها ومن ناحية مضمونها.

فإذا كانت الدعوة هي السبب الأصلي لنزول القران وهي موضوع القرأن ومضمونه فأن المجاهدة بالقران في هذه الدعوة هو الذي يحقق أقصي فاعلية قدرية للقرأن وهي التي تتمثل في إنشاء واقع الدعوة الصحيح وتحقيق غايتها التامة.

ثانيا: التصور القدري للدفع بين الإسلام والجاهلية:

ولهذا التصور أصول ثلاثة نقدم بها وهي:

إن الله هو الحفيظ والوكيل في هذا الدفع، وفي هذا المفهوم الولاية الالهية العامة على جميع الخلق، وعلاقة هذا المفهوم بواقع الدفع بين الإسلام والجاهلية هو مقتضيات أخضاع طرفي الدفع لسنن الله الثابتة، وذلك باعتبار أن السنة هي التسوية بين المتماثلين، والتفريق بين المتخلفين، والعدل بين طرفي الدفع بالحق، ومن حيث الفتح: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ) ، ومن حيث الحكم: (قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) ، حتى أن الكفار لما طلبوا الفتح جاءهم ولكن بالهزيمة لاستحقاقهم لها وفي هذا قول الله: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ) ، ومن حيث القضاء في الاخرة وفيه قول الله: (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ) ، وفي هذا القضاء يكون التقاضي في الدماء بين المسلم والكافر.

وقد ثبت في الصحيحين ومسند أحمد وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أول مايقضي فيه بين الناس يوم القيامة الدماء، وأن المتقول يأتي يوم القيامة تشخب أوداجه دما) ، وفي بعض الأحاديث: (ورأسه في يده فيتعلق بالقاتل ولو قتله في سبيل الله فيقول: يارب سل هذا فيم قتلني؟ فيقول الله تعالى: لم قتلت هذه؟ فيقول: يارب، قتلته لتكون العزة لك، فيقول: صدقت. ويقول المقتول ظلما: سل هذا فيم قتلني؟ فيقول الله تعالى: لم قتله؟ فيقول: لتكون العزة لي) . وفي رواية: (لفلان فيقول الله تعالى: تعست، ثم يقتص منه لكل من قتله ظلما) .

(1) الكلام لابن القيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت