ويرتبط بسنة البلاء، كإظهار للحق، قدر النصر، وذلك كما في قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) .
وكذلك قدر التمكين ولهذا سأل رجل الشافعي: إهما أفضل للرجل: أن يمكن أو يبتلى؟ قال الشافعي: لايمكن حتى يبتلى، فإن الله ابتلي نوحا وابراهيم وموسي وعيسى وحمدا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فلما صبروا مكنهم فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم البتة.
ودوران الأحوال بين البلاء والتمكين هو التحقيق لسنة الايام بين الناس، ولهذا قوله تعالى: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) .
ويقول ابن القيم: وقد سبقت الحكمة الالهية أن المكاره أسباب اللذات والخيرات كما قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) .
وكم له سبحانه في مثل هذا الابتلاء والامتحان من حكمة بالغة ونعمة سابغة وحكم ونهي وتصريف ذاك على ربويته وإلهيته وحمده، وكذلك ابتلاء عبادة بالخير والشر في هذه الدار من كمال حكمته ومقتضي حمده التام، ولولا هذا الابتلاء والامتحان لما ظهر فضل الصبر والرضا، والتوكل والجهاد، والعفة والشجاعة، والحلم والعفو والصفح، والله سبحانه وتعالى يحب أن يكرم أوليائه بهذه الكلمات، ويحب ظهورها عليهم ليثني بها عليهم هو وملائكته وينالو بأتصافهم بها غاية الكرامة واللذة والسرور، وان كانت مرة المبادي فلا أحلي من عواقبها، ووجود الملزوم بدون لازمة ممتنع، وقد جرى الله سبحانه وتعالى وحكمته بأن كمال الغايات تابعة لقوة أسبابها، ونقصانها، فمن كمل أسباب النعيم واللذة كملت له غايتها ومن حرمها حرمها، ومن نقصها نقص له في غايتها، وعلى هذا قام الجزاء بالقسط والثواب والعقاب، وكفي بهذا العالم شاهدا لذلك فرب الدنيا والاخرة واحد، وحكمته مطردة فيهما وله الحمد في الأولى والأخرة وله الحكم واليه ترجعون،
ومما يجب اليقين به هو أن أفضل العطاء وأجله على الاطلاق والايمان وجزاؤه وهو لايتحقق الا بالامتحان والاختبار، وهو سبحانه كان يعلم ذلك قبل وقوعه ولكن اقتضي عدله وحمده أنه لايجزي العباد بمجرد علمه فيهم بل بمعلومه إذا وجد تحقيق، والفتنة هي التي أظهرته إلى الوجود، فحينئذ حسن وقوع الجزاء عليه.
فمن أمن بالله وبرسله فلابد أن يبتلي من أعدائه وأعداء رسله بما يؤلمه ويشق عليه، ومن لم يؤمن به وبرسله فلابد أن يعاقبه فيحصل له من الالم والمشقة أضعاف ألم المؤمنين.
فلابد من الحصول ألم لكل نفس مؤمنة أو كافرة، لكن المؤمن يحصل له ألم في الدنيا أشد، ثم ينقطع، ويعقبه أعظم لذة، والكافر يحصل له اللذة والسرور ابتداء، ثم تعقبها الالام بحسب مانالوه منها، والذين يصبرون عنها يتألمون بفقدها ابتداء ثم الألم اللذة والسرور بحسب ماصبروا عنه وتركوه منها، فلألم واللذة أمر ضروري لكل أنسان، لكن الفرق بين العاجل المنقطع اليسير الاجل الدائم العظيم بون. ولهذا كان خاصة العقل المنظر في العواقب والغايات، فمن ظن أه يتخلص من الألم لايصيبه البتة فظنه أكذب الحديث، فإن الأنسان خلق عرضه للذة والالم، والسرور، والفرح والغم.