الصفحة 104 من 164

وارتباط النصر والتمكين بالبلاء إنما يكون تحقيقا لصلاحية أهل الحق في مهمة دفع الباطل، سواء كان بتفكير ذنوبهم أو برفع درجاتهم، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الناس بلاء الانبياء ثم الأمثل فالأمثل [1] باعتبار ان الانبياء والأمثل فالامثل هم القائمون بدفع الباطل وأهله.

وعلى أساس تصور البلاء كسنة حتمية في قدر الله، يتحدد الموقف الصحيح تجاه هذه السنة فإن الموقف الصحيح من البلاء هو الحذر من السعي إليه والعمل على دفعة قبل وقوعه وعدم التقصير في دفعه أثناء وقوعه والتسليم بقدر الله فيه بعد وقوعه، لأن السعي إلى البلاء لن يجعله بقدر الأيمان، ولهذا نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تمني لقاء العدو فقال: لاتتمنوا لقاء العدو وأسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فأثبتوا [2] وواضح من النص النهي عن السعي للبلاء والأمر بسؤال الله العافية والثبات والصبر إذا كان البلاء أمرا واقعا.

كما يحذر النبي صلى الله عليه وسلم من تحمل البلاء الذي لايطاق فيقول: لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه: كيف يذل نفسه يا رسول الله؟ قال: يتحمل من البلاء ما لا يطيق [3] . وتفسير ذل النفس في تحمل مالايطاق معناه تضاؤل الانسان أمام نفسه وأمام غيره بعد إقحامها في مجال أو مرحلة أو موقف بغير أمكانية، إذ أن لهذا التصرف نتيجتين: إما التراجع وهو ذل النفس، أو الاستمرار وفيه استمرار العجز وهو أيضا الذل الذي لايحل لمسلم أن يذيقه لنفسه.

وكما يمنع الموقف الصحيح من البلاء أن نسعي إليه قبل وقوعه فإنه لايمنع بعد وقوعه محاولة دفعة، ولهذا يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم دفع البلاء بقوله: الدعاء والبلاء يعتلجان في السماء [4] .

غير أنه في الأمر بدفع البلاء حقيقة منهجية هامة، وهي أن يقوم التحديد المنهجي للدعوة والتخطيط لها على أساس تفادي حدوث البلاء بشرط الا يطغي هذا التحديد على مقتضيات الدعوة، ومثال ذلك أنه إذا كان القتال من مقتضيات الدعوة فإن تفادي البلاء يعني الأخذ بأسباب الحذر وجمع الأمكانيات، ولكنه لايعني التخلي عن هذا الأسلوب إذا جاء وقته وظروفه، وهذا هو الحد الفاصل بين النهي عن السعي إلى البلاء وبين الهروب من تكاليف الدعوة الشرعية، والبلاء أهم مظاهر عدل الله في العباد، حيث تقدم أن البلاء مقدمة للنصر والتمكين فيكون هذا النصر ولك التمكين جزءا عادر على الصبر على البلاء والثبات فيه، وكذلك يكون البلاء بقدر الايمان، وبهذا يكون عدل البلاء.

(1) أخرجه الحاكم (404/ 4) من حديث فاطمة بنت اليمان، وصححه الالباني في الصحيحة (1165)

(2) البخاري في الجهاد باب لاتتمنوا لقاء العدو، ومسلم في الجهاد (1741)

(3) أخرجه الترمذي في الفتن رقم 2245 من حديث حذيفة مرفوعا وقال حسن صحيح.

(4) أخرجه الحاكم في الدعاء 492/ 1 والبزار رقم 3136 و 2164 وسنده ضعيف من أجل إبراهيم بن خثيم وزكريا بن منظور في الإسناد الأخر عند البزار والحديث صححه الحاكم وتعقبه الذهبي بأن زكريا مجمع على ضعفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت