وقد تقدم أيضا أن البلاء تحقيق لمداولة الأيام بين الناس حيث لاتكون هذه المداولة الا بالعدل، ولهذا يذكر ابن القيم يكون البلاء محققا لعدل الله في العباد فيقول في كل من أعرض عن الحق: أن كل من أعرض عن شئ من الحق وجحده وقع في الباطل مقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده. ولابد حتى في الأعمال أن من لم يعمل لوجه الله وحده ابتلاء الله بالعمل لوجوده الخلق فرغب عن العمل لمن ضره ونفعه وموته وحياته وسعادته بيده فابتلي بالعمل لمن لايملك له شيئا من ذلك، وكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتلي بالأنفاق لغير الله وهو راغم، وكذلك من رغب عن التعب لله ابتلي بالتعب في خدمة الخلق ولابد كذلك من رغب عن الهدى بالوحي ابتلي بحثالة الاراء وزبالة الأذهان ووسخ الأفكار.
ولهذا فللعبد عدة مشاهد فيما يصيبه من أذي الخلق وجنايتهم عليه.
ويحدد ابن القيم التصور القدري لتحمل البلاء في عدة مشاهد فيقول:
مشهد القدر: وان ما جرى عليه بمشيئة وقضائه وقدره فيراه كالتأذي بالحر والبرد والمرض والالم فإن الكل أوجبته مشئة الله.
مشهد الصبر: إذ يشهد وجوبه وحسن عاقبته وجزاء أهله وما يترتب عليه من الغبطة والسرور، ويخلصه من ندامة المقابلة والانتقام، فما انتقم أحد لنفسه قط الا أعقبه ذلك ندامة.
مشهد العفو والصفح والحلم: ما زاد الله عبدا يعفوا الا عزا [1] ، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلم بالتجربة والوجود، وما انتقم أحد لنفسه إلا زاد الله ذلا.
مشهد الرضى: وهو فوق مشهد العفو والصفح، وهذا يكون الا للنفوس المطمئنة، سيما أن كان ما أصيب به سببه القيام لله فإذا كان ما أصيب به في الله وفي مرضاته ومحبته رضيت بما لها في الله وهذا شأن كل محب صادق.
مشهد الأحسان: وهو أن يقابل إساءة المسئ بالاحسان، ويهون هذا علمه بأن ربح عليه، وعلمه بأن الجزاء من جنس العمل وأن الله لايقابله بالإحسان أن سلامته وبرده وخلوه منه أنفع له.
مشهد السلامة وبرد القلب: وهو أن لايشغل قلبه وسره بما ناله من الأذي وطلب الوصول إلى درك ثأره وشفاء نفسه بل يفرغ قلبه من ذلك ويري أن سلامته وبرده وخلوه منه أنفع له.
مشهد الجهاد: وهو أن يشهد تولد أذي الناس له من جهاده في سبيل الله وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وإقامة دين الله وإعلاء كلمته.
وصاحب هذا المقام قد اشترى الله منه نفسه وعرضه وماله بأعظم الثمن.
فإن أراد أن يسلم إليه الثمن فليسلم هو السلعة ليستحق ثمنها فلا حق له على من آذاه ولا شيء له قبله إن كان قد رضى بعقد هذا التبايع فإنه قد وجب أجره على الله.
وهذا ثابت بالنص وإجماع الصحابة رضى الله عنهم، ولهذا منع النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين من سكني مكة، أعزها الله، ولم يرد على أحد منهم داره ولا ماله الذي أخذه الكفار، ولم يضمنهم دية من قتلوه في سبيل الله. فمن قام لله حتى أوذي في الله حرم الله عليه الانتقام كما قال لقمان لابنه: (وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) .
مشهد النعمة: منها أن يشهد نعمة الله عليه في أن جعله مظلوما يترقب النصر ولم يجعله ظالما يترقب المقت والأخذ، ومنها أن يشهد نعمة تكفير الخطايا والذنوب، ومنها أن يشهد تلك البلية أهون وأسهل من غيرها، ومنها توفية أجرها وثوابها يوم الفقر والفاقة.
مشهد الأسوة: فإن العاقل اللبيب يرضى أن يكون له أسبوة برسل الله.
(1) مسلم في صحيحه (كتاب البر) [2588) من حديث أبي هريرة ولفظه بكامله (ما نقصت صدقة من مال زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) 0