مشهد التوحيد: وهو امتلاء القلب بمحبة الله، والإخلاص له، وإيثار مرضاته، والتقرب إليه، واتخاذه وليا دون من سواه، وتفويض الأمر إليه حتى لا يبقي في قلبه متسع لشهود أذي الناس، فضلا عن التفكير في الانتقام؛ فإذا عاملهم بهذه المعاملة من إقامة أعذارهم والعفو عنهم وترك مقابلتهم، استوت كراهتهم ومحبتهم له، وكان ذلك سببا لنجاتهم الأخروية، ايضا إذ يرشدهم ذلك إلى القبول منه وتلقي ما يأمرهم به وينهاهم عنه أحسن التلقي، وهذه طباع الناس. وكما كان الغت والغط [1] من جبريل له صلى الله عليه وسلم مقدمة بين الوحي وإعدادا لوروده؛ فهكذا الشدة مقدمة بين يدي الفرج، والبلاء مقدمة بين يدي العافية والخوف الشديد ... مقدمة بين يدي الأمن وقد جرت سنة الله، سبحانه، أن هذه الأمور النافعة المحبوبة إنما يدخل إليها من أبواب أضدادها.
وفي تفسير قول الله: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) .
يقول ابن القيم: لما كان الممتحن لا بد أن ينحرف عن طريق الصبر والمجاهدة لدواعي طبيعته وهواه وضعفه عن مقاومة ما ابتلي به، وعده سبحانه أن يتجاوز له عن ذلك ويكفره عنه لأنه لما أمر به والتزم طاعته اقتضت رحمته أن كفر عنه سيئاته وجازاه بأحسن أعماله. ثم ذكر سبحانه حال من دخل في الإيمان على ضعف عزم وقلة صبر وعدم ثبات على المحنة والابتلاء وأنه إذا أوذي في الله، كما جرت به سنة الله واقتضت حكمته من ابتلاء أوليائه بأعدائه وتسليطهم عليهم بأنواع المكاره والآذي، لم يصبر على ذلك وجزع منه وفر منه ومن أسبابه، كما يفر من عذاب الله، فجعل فتنة الناس له على الإيمان وطاعة رسله كعذاب الله لمن يعذبه على الشرك ومخالفة رسله؛ وهذا يدل على عدم البصيرة وأن الإيمان لم يدخل قلبه ولا ذاق حلاوته حتى سوي بين عذاب الله له على الإيمان بالله ورسله وبين عذاب الله لمن لم يؤمن به وبرسله.
وأخيرا يقول ابن القيم كلمة جامعة: أن أول الأمر ابتلاء وامتحان، ووسطه صبر وتوكل، وآخره هداية ونصر. والله المستعان.
مقتضى طبيعة الدين:
وعناصر طبيعة الدين: أنه من عند الله ... أنه عمل في ذاته ... أنه نزل لجماعة ... أنه قوة في امتداده ...
وكل هذه العناصر في حقيقتها سنن الفهم الإسلامي: فمقتضي أن الدين من عند الله يجعل تقديم النص على الرأي سنة من سنن الفهم [2] .
ومقتضي أن نزلة لجماعة يجعل الجماعة هي سنة من سنن الفهم - يعني أن الامكانية - الكاملة لفهم الإسلام تكون من خلال الجماعة [3] .
ومقتضي أن الدين نزلة بالقوة يجعل الجهاد سنة من سنن الفهم الإسلامي لقول الله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) .
مقتضى طبيعة الدعوة:
وينشأ عنها عدة سنن:
أهمها سنة التوازن في واقع الدعوة: كما أن التوازن الكوني ليس مجرد وجود عناصر التقابل، بل أن التوازن يتعلق بدرجة وجود هذا العنصر في تقابله مع عنصر اخر فكذلك التوازن بين الحق والباطل لأن امتداد ظهور طرف دون مقابله يعني في النهاية فناء أحد أطراف التقابل.
(1) إشارة إلى احتضان جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم والضغط عليه حتى بلغ منه الجهد ثلاث مرات وهو يقول له (إقرأ) 0
(2) ولذلك يقول على ابن أبي طالب كرم الله وجهه لو كان الدين بالرأي لكان مسح على الخف من أسفل أولى من المسح من أعلى
(3) لأن الصواب من الله والخطأ من الشيطان والجماعة حرز من الشيطان الذي يحدث الخطأ بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من عمل بما علم رزقه الله علم مالم يعمل زاد المصنف في الايمان باب لايسخط أحد.