ولذلك يقول ابن القيم في التوازن بين الحق والباطل: (وكلما اشتد ظهور الباطل اشتد ظهور الحق) ، وهذا هو مضمون استمرار الدعوة كطرف مقابل الباطل والجاهلية: ومن سنة الله أنه إذا أراد إظهار دينه أقام من يعارضه فيحق الحق بكلماته: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) .
وقد أنشأت سنة التوازن بين الحق والباطل ارتباطا بين الدعوة وحقيقة التقابل. وارتباط واقع الدعوة بحقيقة التقابل ارتباط جوهري يصل إلى حد الشرط الللازم لوجوده، ويؤكد ابن القيم في (طريق الهجرتين) هذا الارتباط، فيقول: فإن الباطل كلما ظهر فساده وبطلانه أسفر وجه الحق واستنارت معالمه ووضحت سبله وتقررت براهينه.
فكسر الباطل ودحض حججه وإقامة الدليل على بطلانه من أدلة الحق وبراهينه. فتأمل كيف اقتضي الحق وجود الباطل، وكيف تم ظهور الحق بوجود الباطل؟!
ويواصل ابن القيم تأكيد هذا الارتباط في (شفاء العليل) مؤكدا أن هذا الارتباط هو مقتضى حكمة أحكم الحاكمين فيقول: وقد اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن أقام في هذا العالم لكل حق جاحدا، ولكل صواب معاندا؛ كما أقام لكل نعمة حاسدا، ولكل شر رائدا. وهذا من تمام حكمته الباهرة وقدرته القاهرة، ليتم عليهم كلمته، وينفذ فيهم مشيئته، وينظر فيهم حكمته، ويقضي بينهم بحكمه، ويفاضل بينهم بعلمه، ويظهر فيهم آثار صفاته العليا وأسمائه الحسنى، ويتبين لأوليائه وأعدائه يوم القيامة أنه لم يخلق إلا لحكمة، ولم يخلق خلقه عبثا، ولا يتركهم سدي، وأنه لم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلا.