أما في (مدارج السالكين) فيربط ابن القيم بين التقابل في الواقع الكوني العام والتقابل في واقع الدعوة ويثبت أن التقابل في كليهما من كمال ربوبيته سبحانه فيقول: خلق الأضداد والمتقابلات هو من كمال ربوبيته؛ كالليل والنهار، والحر والبرد، واللذة والآلم. والخير والشر، والنعيم والجحيم. وإن خلق الأضداد والمقابلات وترتيب آثارها عليها موجب ربوبيته وحكمته وعلمه وعزته، وإن تقديرعدم ذلك هضم لجانب الربوبية. وأيضا فإن هذه الحوادث [1] نعمة في حق المؤمن فإنها إذا وقعت فهو مأمور أن ينكرها بقلبه ويده ولسانه، أو بقلبه ولسانه فقط، أو بقلبه فقط؛ ومأمور أن يجاهد أربابها بحسب الإمكان؛ فيترتب له الإنكار والجهاد من مصالح قلبه ونفسه وبدنه ومصالح دنياه وآخرته ما لم يكن بدون ذلك. والمقصود بالقصد الأول إتمام نعمته تعالى على أوليائه ورسله وخاصته، فاستعمال أعدائه فيما تكمل به النعمة على أوليائه غاية الحكمة. وكان في تمكين أهل الكفر والفسوق والعصيان من ذلك إيصال إلى الكمال الذي يحصل لهم سعادة هؤلاء وجهادهم والإنكار عليهم والموالاة، وبذل نفوسهم وأموالهم وقواهم لهم؛ فإن تمام العبودية لا يحصل إلا بالمحبة الصادقة. وإنما تكون المحبة صادقة إذا بذل فيها المحب ما يملكه من مال ورياسة وقوة في مرضاة محبوبة والتقرب إليه؛ فإن بذل روحه كان هذا أعلي درجات المحبة. ومن المعلوم أن لوازم ذلك، التي لا يحصل ذلك إلا بها، أن يخلق سبحانه ذواتا وأسبابا وأعمالا وأخلاقا وطبائع تقتضي معاداة من يحبه ويؤثر مرضاته، وعند ذلك تتحقق المحبة الصادقة من غيرها. فكل أحد يحب الإحسان والراحة والدعة واللذة، ويحب من يوصل إليه ذلك ويحصله له، ولكن الشأن في أمر وراء هذا وهو محبته سبحانه ومحبة من يحبه مما هو أكره سيء من النفوس وأشق عليها مما لا يلائمها. فعند حصول أسباب ذلك يتبين من يحب الله لذلته، وحب من يحبه لأجل مخلوقاته فقط من المأكل والمشرب والمنكح والرياسة؛ فإن أعطي منها رضي، وإن منعها سخط وعتب على ربه، وربما شكاه، وربما ترك عبادته.
فلولا خلق الأضداد، وتسليط أعدائه، وامتحان أوليائه لم يستخرج خاصية العبودية من عبيده الذين هم عبيده، ولم يحصل لهم عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه، والحب فيه، والبغض فيه، ولا عبودية بذل الأرواح والأموال والأولاد والقوي في جهاد أعدائه ومضرتهم، ولا عبودية مفارقة الناس هو أحوج ما يكون إليهم لأجله وفي مرضاته، ولا يتحيز إليهم وهو يرى محاب نفسه وملاذها بأيديهم فيرضى بمفارقتهم ومشاققتهم وإيثار موالاة الحق عليهم. فلولا الأضداد والأسباب التي توحي بذلك لم تحصل هذه الآثار.
سنن الإيمان:
ولما كانت الدعوة هي واقع الإيمان فإن اختصاص واقع الدعوة بالسنن يتحقق من ارتباط هذه السنن، بحقيقة الإيمان. وقد وضح هذا الارتباط في حديث هرقل وأبي سفيان حيث كانت سنن الإيمان هي محور التساؤلات التي كانت من هرقل والتي استدل بها في النهاية على صدق نبوة النبي عليه الصلاة والسلام.
أما السنن فهي:
سنة إيمان الفقراء والضعفاء؛ التي قال فيها: (وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل) .
وسنة زيادة أهل الإيمان؛ التي قال فيها: (وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الإيمان حتى يتم) .
(1) يقصد حوادث الشر المقابلة للخير 0