وفي هذا الموقف يقول ابن القيم: وهذا الهدهد من أهدي الحيوان وأبصره بمواقع الماء تحت الأرض لا يراه غيره. ومن هدايته ما حكاه الله عنه في كتابة أن قال لنبي الله سليمان وقد فقده وتوعده فلما جاء بدره بالعذر قبل أن ينذره سليمان بالعقوبة، وخاطبه خطابا هيجه به على الإصغاء إليه والقبول منه فقال: (أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) ، وفي ضمن هذا إني أتيتك بأمر قد عرفته حق المعرفة بحيث أحطت به وهو خبر عظيم به شأن فلذلك قال: (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ) ، والنبأ هو الخبر الذي له شأن والنفوس متطلعة إلى معرفته.
ثم وصفه بأنه نبأ يقين لا شك فيه ولا ريب. فهذه مقدمة بين يدي إخباره لنبي الله بذلك النبأ استفرغت قلب المخبر لتلقي الخبر، وأوجبت له التشوق التام إلى سماعه ومعرفته؛ وهذا نوع من براعة الاستهلال وخطاب التهييج، ثم كشف عن حقيقة الخبر كشفا مؤكدا بأدلة التأكيد فقال: (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ) . ثم أخبر عن شأن تلك الملكة أنها من أجل الملوك بحيث أوتيت من كل شيء يصلح أن تؤتاه الملوك، ثم زاد في تعظيم شأنها بذكر عرشها الذي تجلس عليه وأنه عرش عظيم، ثم أخبره بما يدعوه إلى قصدهم وغزوهم في عقر دارهم بعد دعوتهم إلى الله فقال: وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وحذف أداة العطف من هذه الجملة، وأتي بها مستقلة غير معطوفة على ما قبلها، إيذانا بأنها هي المقصودة وما قبلها توطئه لها، ثم أخبر عن المغوي لهم الحامل لهم على ذلك وهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم، حتى صدهم عن السبيل المستقيم وهو السجود لله ينبغي السجود إلا له، ثم ذكر من أفعاله سبحانه إخراج الخبء في السموات والأرض، وهو المخبوء فيهما من المطر والنبات والمعادن وأنواع ما ينزل من السماء وما يخرج من الأرض. وفي ذكر الهدهد هذا الشأن من أفعال الرب تعالى بخصوصه إشعار بما خصه الله به من إخراج الماء المخبوء تحت الأرض. قال صاحب الكشاف: في إخراج الخبء إمارة على أنه من كلام الهدهد لهندسته ومعرفته الماء تحت الأرض؛ وذلك بإلهام من يخرج الخبء في السموات والأرض جلت قدرته، ولطف عمله. ولا يكاد يخفي على ذي الفراسة الناظر بنور الله مخايل كل شخص بصناعة أو فن من العلم في روائة ومنطقة وشمائله، فما عمل آدمي عملا إلا ألقي الله رداء عمله.
ج) الطاعة:
وهناك حقيقة في الولاء الكوني، وهي ارتباط الوجود الكوني والحركة الكونية بالدعوة. فكل عنصر من العناصر الكونية له ملائكة تختص به. وهذه الملائكة لا تتصرف بذاتها بل أنها تخضع في حركتها لجبريل عليه السلام أمين الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم.