الصفحة 96 من 164

أما الحب فهو طبيعة العلاقة بين الكون والدعوة؛ فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى أحد قائلا: (هذا الجبل يحبنا ونحبه) [1] . وإذا كان الكون كله يحب الدعوة وأصحابها؛ فإن اختصات جبل أحد بذلك له حكمة طيبة وهو إثبات الموقف الحقيقي للجبل الذي هزم عنده المسلمون؛ وإنه لا علاقة بين الجبل وهزيمة المسلمين وأنه يحبنا ونحبه. ولقد بلغ حب الجبل أن يهتز عندما يصعد عليه الرسول وأبو بكر وعمر وعثمان فيقول له الرسول: (اثبت أحد إن عليك نبيا وصديقا وشهيدان) [2] . ولعلنا نلحظ صيغة الحديث النبوي إلى الجبل: (اثبت أحد) ، فنشعر أنها صيغة المعرفة والمودة الكاملة.

وقد شمل حب الكون للدعوة أضخم العناصر وأصغرها فبجانب الجبل الذي يحبنا ونحبه كان الحجر الذي يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال عليه الصلاة والسلام: (إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم على قبل أن أبعث وأنا أعرفه الآن) [3] فالمعرفة قديمة متبادلة، والود محفوظ على مر الزمان.

وها هو الحب يبلغ مداه عندما يبكي جزع الشجرة الذي كان يخطب عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ويسمع له أنين كما جاء في الحديث (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على جزع نخلة، فلما صنع للرسول منبر ترك الجزع فسمع له أنين كأنين العشار، ولم يسكت حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم واحتضن الجزع) [4] .

ب) النصرة:

والنصرة الكونية لواقع الدعوة تبدأ بإثبات موقف التأييد لأصحاب الدعوة والعداء لأعداءها ودليل ذلك؛ قول الله عز وجل في إدعاء الولد لله: (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا) . هذا هو موقف السموات والأرض والجبال من الادعاء الباطل.

والنصرة الكونية لواقع الدعوة لا تتوقف عند حد إثبات موقف التأييد لها والعداء لأعدائها بل تتجاوزه إلى التأييد الفعلي عند القدرة عليه؛ ومن أدلة ذلك هو قول الحجر للمسلم في آخر الزمان: (ورائي يهودي تعال فاقتله) [5] . ولعل مشاركة اليم في قصة موسى من أدلة هذه الحقيقة؛ كما جاء في قوله تعالى: (فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَاخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ) .

ويصل هدهد سليمان بالولاء الكوني للدعوة إلى كماله وجماله عندما يمارس الدعوة بصورة مباشرة، بل ويقود سليمان النبي الملك إلى الموقف الذي أسلمت فيه ملكة سبأ ويملك الهدهد كل خصائص الداعية:

-قوة المواجهة ... (أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) ، وهكذا يخاطب الهدهد سليمان الملك النبي.

-البصيرة في تقييم الهدهد الواقع ... (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) . هكذا يقيم الهدهد الواقع شرك بالله ومعرفة بالسبب وهو الشيطان وتزينيه العمل والصد عن السبيل.

-المنهج والعقيدة ... (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .

(1) البخاري في المغازي وفي مواضع من صحيحه ومسلم في الحج (1392) ، (1393) من حديث أنس وسهل بن سعد 0

(2) البخاري في (فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) (22/ 7) ، ومسلم في (فضائل الصحابة) رقم (2417) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(3) مسلم في (الفضائل) رقم (2277) ، وهو في المسند أيضا (95/ 5) من حديث جابر بن سمرة مرفوعا 0

(4) البخاري في (كتاب الجمعة) [باب الخطبة على المنبر)، وفي مواضع أخرى من حديث جابر بن عبد الله 0

(5) البخاري في (الجهاد) باب قتال اليهود ومسلم رقم (2921) في الفتن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت