ورؤيا الأنبياء وحي؛ فإنها معصومة من الشيطان، وهذا باتفاق الأمة؛ ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام؛ بالرؤيا. وأما رؤيا غيرهم فتعرض على الوحي الصريح: فإن وافقته وإلا لم يعمل بها. فإن قيل: فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقة أو تواطأت؟ قلنا: متي كان كذلك استحال مخالفتها للوحي؛ بل لا تكون إلا مطابقة له منبهة عليه أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمه؟ لم يعرف الرائي اندراجها فيه، فيتنبه على ذلك.
ومن أراد أن تصدق رؤياه فليتحر الصدق وأكل الحلال والمحافظة على الأمر والنهي، ولينم على طهارة كاملة مستقبلا للقبلة، ويذكر الله حتى تغلبه عيناه فإن رؤياه لا تكاد تكذب البتة.
وأصدق الرؤيا رؤيا الأسحار [1] ، فإنه وقت النزول الإلهي واقتراب الرحمة والمغفرة وسكون الشياطين. وعكسه رؤيا العتمة عند انتشار الشياطين والأرواح الشيطانية.
وللرؤيا ملك موكل وكل بها يريها العبد في أمثال تناسبه وتشاكله فيضرب بها لكل أحد بحسبه.
ولأجل أن الرؤيا وحي؛ فإن تفسيرها يخضع لأحكام الشرع.
ولتلك الحقيقة عدة قواعد:
الأولى: النهي عن تفسير الؤي بغير علم؛ لقول الإمام مالك الرؤيا من الوحي زاجرا من يفعل ذلك بقوله: (لا تتلاعب بوحي الله) .
الثانية: إخضاع تفسير الرؤي لأصول الفقه. ودليل ذلك أن تواطؤ الرؤي من عدة أشخاص له صفة الإجماع المؤكد للصواب. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ بتواطؤ رؤيا الصحابة مثلما كان في ليلة القدر؛ حيث رأي الصحابة أنها في العشر الأواخر من رمضان فقال النبي: (رأي رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر؛ فمن كان منكم متحريها فليتحرها في العشر الأواخر من رمضان) [2] .
ولذلك يطبق أبو الحسن البصري في تفسير الرؤي أحكام الفتوي؛ مثل ارتباط الفتوي بحال المستفتي. فعندما جاء إليه رجلان، وكلاهما قد رأي نفسه يؤذن، ولكن أحدهما يبدو عليه الصلاح، والثاني غير ذلك، فقال للأول: ستحج إن شاء الله، مستدلا بقول الله: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) ، وقال للثاني: إنك سارق، مستدلا بقول الله: (أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) .
الثالثة: الأستناد في تفسير الرؤي على تفسير القرآن، وهذا ما فعله عمر بن الخطاب عندما رأي رجل من عماله رؤيا فيها أن الشمس والنجوم يتقاتلان، وأن الرجل كان يقاتل مع النجوم فقال له: لا تعمل لنا؛ فإن الله يقول: (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً) .
ولعلنا نلاحظ قيمة الرؤي من خلال قرار عمر بجعل الرجل لا يعمل له؛ وقد أدرك عمر قيمة الرؤي عندما كان يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل الصحابة كل صباح: (من منكم رأي رؤيا) [3] ليتبين قدر الأمة ويتوسمه من خلالها.
الولاء الكوني للحركة الإسلامية:
وإذا كانت عناصر الولاء هي الحب والنصرة والطاعة. فقد تحققت هذه العناصر الثلاثة تحقيقا كونيا تجاه الحركة الإسلامية.
أ) الحب:
(1) أخرج الترمذي (2275) ، وأحمد في المسند (68/ 3) من حديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أصدق الرؤيا بالأسحار)
(2) البخاري في (قيام الليل) 0
(3) البخاري في (التعبير) [438/ 13) من حديث سمرة بن جندب