الصفحة 94 من 164

ومن خلال هذا الارتباط جاء ذكر النعم الكونية كضرورة أساسية للدعوة ومال ذلك قول الله عز وجل وعليها وعلى الفلك تحملون ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم أعبدوا الله مالكم من اله غيره إلى قوله فأوحينا إليه ان اصنع الفلك باعيننا ووحينا فبعد ان عددت الصورة نعم الله عز وجل الكونية كان أخرها نعمة الفلك التي جاء بعدها ذكر قصة نوح وصنع الفلك يوحي الله فكانت نعمة الفلك من البداية ضرورة من ضرورات الدعوة في قصة نوح عليه الصلاة والسلام.

وكذلك قوله سبحانه وتعالى: (ولقد ارسلنا رسلنا بالبيناتا وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب أن الله قوي عزيز) ، فجاء ذكر نزول الحديد كضرورة من ضرورات الدعوة مع نزول الكتاب والميزان.

وفي الحقيقة ان اجتماع الأحكام الشرعية والاقدار الكونية تحت حقيقة الناموس باعتباره الوحي العام الجامع لهما له مظهر هام جدا وهو الرؤية.

ذلك أنها (وحي) متعلق (بأقدار كونية) ، وبذلك تجتمع في الرؤية الأبعاد الثلاثة: الوحي الشرعي والقدر الكوني والإنسان المسلم وأصبح معالجة هذه الظاهرة بهذا الاعتبار ضرورة مؤكدة. وفي الرؤي يقول ابن القيم: الرؤيا الصادقة هي من أجزاء النبوة كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ان الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة) [1] .

وقد قيل في سبب هذا التخصيص المذكور أن أول مبتدأ الوحي كان هو الرؤيا الصادقة، وذلك نصف سنة ثم أنتقل إلى وحي اليقظة مدة ثلاث سنوات وعشرين سنة من حيث بعث إلى ان توفي صلوات الله وسلامه عليه فنسبه مدة الوحي في المنام من ذلك جزء ستة واربعين جزءا. وهذا حسن لولا ما جاء في الرواية الأخرى الصحيحة: (أنها جزء من سبعين جزءا) [2] . وقد قيل في الجمع بينهما أن ذلك بحسب حال الرائي؛ فإن رؤيا الصديقين من ستة وأربعين، ورؤيا عموم المؤمنين الصادقة من سبعين. والله أعلم.

والرؤيا مبدأ الوحي. وصدقها بحسب صدق الرائي. وأصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثا وهي عند اقتراب الأزمان لا تكاد تخطيء. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم [3] وذلك لبعد النبوة وآثارها فيتعوض المؤمنين بالرؤيا. وأما في زمن قوة نور النبوة ففي ظهور نورها وقوته ما يغني عن الرؤيا.

نظير هذا الكرامات التي ظهرت بعد عهد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ولم تظهر عليهم لاستغنائهم عنها بقوة إيمانهم واحتياج من بعدهم إليها لضعف إيمانهم، وقد نص أحمد على هذا المعنى. وقال عبادة بن الصامت: رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات) [4] ، قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: (الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تري له) ، والرؤيا كالكشف: منها رحماني، ومنها نفساني، ومنها شيطاني. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله، ورؤية تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه في اليقظة فيراه في المنام) [5] . والذي هو من أسباب الهداية هو الرؤيا التي من الله خاصة.

(1) البخاري في (التعبير) (4 - 4/ 12) ، ومسلم في (الرؤيا رقم) ، (2263) من حديث أبي هريرة مرفوعا.

(2) أخرجها مسلم في الرؤيا رقم (2265) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنها 0

(3) مسلم من حديث أبي هريرة رقم (2263) بلفظ: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب. أصدقهم حديثا ... ألخ 0

(4) البخاري في التعبير باب المبشرات

(5) مسلم في (الرؤيا) رقم (2263) ، وهو من تمام الحديث قبل السابق0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت