والإنسان من هذا الوجود الكوني والقوانين التي تحكم فطرته ليست بمعزل عن ذلك الناموس الذي يحكم الوجود كله؛ فقد خلقه الله - كما خلق هذا الوجود - وهو في تكوينه المادي من طين هذه الأرض وما وهبه الله من خصائص زائدة على مادة الطين جعلت منه إنسانا إنما رزقه الله إياه مقدرا تقديرا. وهو خاضع من ناحية كيانه الجسمي للناموس الطبيعي الذي سنه الله له، رضي أم أبي، يعطي وجوده وخلقه ابتداء بمشيئة الله لا بمشيئته هو ولا بمشيئة أبيه وأمه فهما يلتقيان ولكنهما لا يملكان أن يعطيا جنينا وجوده؛ وهو يولد وفق الناموس الذي وضعه الله لمدة الحمل وظروف الولادة، وهو يتنفس هذا الهواء الذي أوجده الله بمقاديره هذه، ويتنفسه بالقدر وبالكيفية التي أرادها الله له، وهو يحس، ويتألم، ويجوع، ويعطش، ويأكل، ويشرب، ويمثل الطعام والشراب. وبالجملة يعيش وفق ناموس الله عن غير إرادة منه ولا اختيار؛ شأنه في هذا شأن هذا الوجود الكوني وكل ما فيه وكل من فيه: في الخضوع المطلق لمشيئة الله وقدره وناموسه، والله الذي خلق هذا الوجود الكوني، وخلق الإنسان، والذي أخضع الإنسان لنواميسه التي أخضع لها الوجود الكوني، وهو سبحانه الذي سن للإنسان (شريعة) لتنظيم حياة الإدارية تنظيما متناسقا مع حياته الطبيعية. فالشريعة على هذا الأساس، إن هي إلا قطاع من الناموس الإلهي العام الذي يحكم فطرة الإنسان وفطرة الوجود العام وينسقها كلها جملة واحد. وما من كلمة من كلمات الله، ولا أمر، ولا نهي، ولا وعد، ولا تشريع، ولا توجيه، ألا هي شطر من الناموس العام [1] .
وإذا كان هذا (الناموس) الجامع للنظام الشرعي الكوني هو الأساس لحقيقة كونية الشريعة؛ فإنه أيضا أساس لحقيقة شرعية الكون. وهو ما يعني أن الكون قائم على حقيقة المضمون الشرعي.
ولعل تسبيح كل شيء بحمد الله أساس في هذا المعنى (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) . حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن وقوع الصيد مرده إلى قلة تسبيحه [2] . ولا يتوقف الأمر عند حد (التسبيح) ، فهناك (الدعاء) . روي الإمام أحمد أن سليمان بن داود خرج يستسقي فرأي نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا عن سقياك ورزقك إما أن تسقينا وترزقنا، وإما أن تهلكنا. فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم [3] .
ولا يتوقف الأمر عند التسبيح والدعاء؛ فهناك (السجود والصلاة) : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) ، ويدل على هذا أيضا قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ) .
(1) معالم في الطريق: فصل شريعة كونية. الأستاذ سيد قطب 0
(2) كما ورد بذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد.
(3) عزاه الحافظ ابن كثير في التفسير (277/ 5) إلى ابن حاتم من طريق زيد العمي عن أبي الصديق الناجي قال خرج سليمان يستسقي