الصفحة 91 من 164

وقد أثبت القرآن صفة العموم من خلال الربط بين الوحي إلى جميع الأنبياء وبين النظام الكوني العام؛ وذلك في مثل قوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) ، وقوله تعالى: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) .

وحول هذا المفهوم يقول الأستاذ سيد قطب في فصل (شريعة كونية) : إن التصور الإسلامي يقوم على أساس أن هذا الوجود كله من خلق الله، اتجهت إرادة الله إلى كونه فكان، وأودعه الله سبحانه قوانينه التي يتحرك بها والتي تتناسق بها حركة أجزائه فيما بينها، كما تتناسق بها حركته الكلية سواء: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) . إن وراء هذا الوجود الكوني مشيئة تدبره وقدرا يحركه وناموسا ينسقه. هذا الناموس ينسق بين مفردات هذا الوجود كلها، وينظم حركتها جميعا، فلا تصطدم، ولا تختل، ولا تتعارض، ولا تتوقف عن الحركة المنتظمة المستمرة إلى ما شاء الله.

كما أن هذا الوجود خاضع مستسلم للمشيئة التي تدبره والقدر الذي يحركه والناموس الذي ينسقه، بحيث لا يخطر له في لحظة واحدة أن يتمرد على المشيئة أو أن يتنكر للقدر، أو أن يخالف الناموس؛ وهو لهذا كله صالح لا يدركه العطب ولا الفساد إلا أن يشاء الله: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت