الصفحة 90 من 164

أما في كتاب الفوائد فيقول: التوكل على نوعان: أحدهما توكل عليه في جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية أو دفع مكروهاته ومصائبه الدنيوية، والثاني التوكل عليه في حصول ما يحبه ويرضاه من الإيمان واليقين والجهاد والدعوة إليه، وبين النوعين من الفضل ما لا يحصيه إلا الله. فمتي توكل عليه العبد في النوع الثاني حق توكله كفاه النوع الأول تمام الكفاية، ومتي توكل عليه في النوع الأول دون الثاني كفاه أيضا لكن لا يكون له عاقبة المتوكل عليه فيما يحبه ويرضاه؛ فأعظم التوكل عليه التوكل في الهداية وتجريد التوحيد ومتابعة الرسول وجهاد أهل الباطل، فهذا توكل الرسل وخاصة أتباعهم.

وبعد أن ينفي ابن القيم علل التوكل في واقع الدعوة يواصل تحديد حقيقة التوكل في واقع الدعوة على أنه أفضل التوكل، فيقول: فأفضل التوكل: التوكل في الواجب أعني واجب الحق وواجب الخلق وواجب النفس، وأوسعه وأنفعه التوكل في التأثير في الخارج في مصلحة دينية أو في دفع مفسدة دينية وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله ودفع فساد المفسدين في الأرض وهذا توكل ورثتهم. ثم الناس بعد في التوكل على حسب هممهم ومقاصدهم: من متوكل في حصول الملك ومن متوكل في حصول رغيف [1] .

ويقول في موضع آخر من الكتاب: وكثير من المتوكلين يكون مغبونا في توكله وقد توكل حقيقة التوكل؛ وهو مغبون كمن صرف توكله إلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوة توكله ويمكنه نيلها بأيسر شيء وتفريغ قلبه من التوكل في زيادة الإيمان والعلم ونصرة الدين والتأثير في العالم خيرا؛ فهذا توكل العاجز القاصر الهمة كما يصرف بعضهم همته وتوكله ودعاؤه إلى وجع يمكن مداواته بأدني شيء أو جوع يمكن زواله بنصف رغيف أو نصف درهم، ويدع صرفه إلى نصرة الدين وقمع المبتدعين وزيادة الإيمان ومصالح المسلمين والله أعلم [2] .

الرابع: اختصاص واقع الدعوة بالصفة الكونية:

وأول الحقائق الثابتة في العلاقة بين الواقع الكوني وواقع الدعوة أن الدعوة هي الأساس التنظيمي للحركة الكونية، وذلك باعتبار أن الوحي المنظم لواقع الدعوة له صفة الناموس المنظم للواقع الكوني. ومن هنا قال ورقة بن نوفل في الوحي: (إنه الناموس الذي ينزل على الأنبياء) [3] إذ أن معنى (الناموس) لغة: نظام الملك.

ولما كانت صفة الاستمرار وصفة العموم وصفة الثبات هي أبرز صفات نظام الملك، فإن التقاء حقيقة الوحي والناموس جاء باعتبار تلك الصفات؛ فجاءت كلمة ورقة مثبتة لتلك الصفات (إنه الناموس) نظام الملك (الذي ينزل) بصفة الاستمرار (علي الأنبياء) بصفة العموم.

وجاءت صفة الثبات من الربط بين الوحي الذي ينزل على موسى والذي نزل على عيسى والذي نزل على محمد عليه السلام؛ وهي الحقيقة التي عبر عنها النجاشي بقوله: إن الذي قاله عيسى ويقول صاحبكم يخرج من مشكاة واحدة.

(1) مدارج السالكين ص 83 ج 2

(2) مدارج السالكين ص 92 ج 2

(3) البخاري في بدء الوحي (22/ 1) من حديث عائشة رضي الله عنها (2) الزمر: 62) 65

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت