والناس أفقر إلى الحق والهدى وفي هذا كان الإسلام هو كمال النعمة وكان تفسير قول الله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا) .
معناه كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبذلك يكون واقع الدعوة باعتباره واقع الحق والهدى هو واقع الافتقار الكامل إلى الله ومن هنا استوجب الناس إلى دعاة ان يتحقق في هؤلاء الدعاة إلى الله، مقام الافتقار الكامل إلى الله الذي علمهم وهداهم إلى هذا الحق، ولذلك يقول ابن القيم: لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى أحوج الخلائق كلهم إليه في الدنيا والاخرة، أما حاجاتهم إليه.
في الدنيا فأشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب والنفس الذي به حياة أبدانهم وأما حاجتهم إليه في الآخرة فإنهم يستشفعون بالرسل إلى الله حتى يريحهم من ضيق مقامهم فكلهم يتأخر عن الشفاعة فيشفع لهم وهو الذي يستفتح لهم باب الجنة.
الاختصاص من حيث التوكل على الله من غير علة:
إذ يقول ابن القيم: التوكل من أعلم المقامات تعلقا بالأسماء الحسنى، وإن له تعلقا خاصا بعامة أسماء الأفعال وأسماء الصفات. فله تعلق باسم الغفار، والتواب، العفو، الرؤوف، الرحيم، وتعلق باسم الفتاح والوهاب والرزاق والمعطي والمحسن، ثم يقول: وتعلق باسم المعز المذل الخافض الرافع المعطي المانع. ومن جهة توكله عليه في إذلال أعداء دينه وخفضهم ومنعهم أسباب النصر، وتعلق بأسماء (القدرة والإرادة) ، وله تعلق عام بجميع الأسماء الحسنى، ولهذا فسره من فسره من الأئمة بأنه المعرفة بالله وإنما أراد أنه بحسب معرفة العبد يصبح له مقام التوكل، وكلما كان بالله أعرف كان توكله عليه أقوي.
ومعني كلام ابن القيم أن واقع الدعوة، وهو واقع إذلال أعداء دين الله، له اختصاص في تعلق التوكل بأسماء الله الحسنى؛ وهذه إحدي نواحي اختصاص واقع الدعوة بإظهار أسماء الله وصفاته.
ويتبعه في التوكل ناحية أخرى وهو التي ذكرها ابن القيم في علل التوكل حيث يذكر ثلاث علل تجعل التوكل منقطعا من العبد عن الله.
العلة الأولى: أن يترك ما أمر الله به من الأسباب استغناء بالتوكل عنها فهذا تواكل وعجز وتفريط وإضاعة.
العلة الثانية: أن يرى توكله منه؛ ويغيب بذلك عن مطالعة المشيئة وشهود الفضل وإقامة الله له في مقام التوكل.
العلة الثالثة: أن يتوكل في حظوظه وشهواته دون حقوق ربه.
ومضمون هذه العلل هو أن ينقطع العبد بتوكله عن العبودية والتوحيد.
فالعلة الأولى تقطع العبد عن العبودية بترك ما أمر الله به، والعلة الثانية تقطع العبد عن العبودية بترك مطالعة المشيئة، والعلة الثالثة تقطع العبد بترك التوكل في الدعوة إلى الله وهي المقصود بحقوق الله سبحانه.
وهذا هو القصد من الاستدلال بالكلام في علل التوكل وهو أن الدعوة إلى الله هي واقع التوكل والمانع من انقطاع العبد عن العبودية والتوحيد؛ ولذلك يقول ابن القيم في العلة الثالثة: وأما التوكل في نصره دين الله وإعلاء كلمته وإظهار سنة رسوله وجهاد أعدائه فليس فيه علة بل هو مزيل العلل. وبذلك يتحقق اختصاص واقع الدعوة في تحقيق التوكل على الله باعتباره أهم مقتضيات معرفة العبد لأسماء الله وأفعاله.