الصفحة 88 من 164

يقول ابن القيم: وقد فسرت شهادة أولي العلم بالإقرار وفسرت بالتبيين والإظهار الصحيح وأنها تضمنت الأمرين؛ فشهادتهم إقرار وإظهار وإعلام وهو شهداء الله على الناس يوم القيامة. قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) .

وقال تعالى: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) . فأخبر أنه جعلهم عدولا خيارا، ونوه بذكرهم قبل أن يوجدهم لما في علمه من اتخاذه لهم شهداء يشهدون على الأمم يوم القيامة؛ فمن لم يقم بهذه الشهادة علما وعملا ومعرفة وإقرار ودعوة وتعليما وإرشادا فليس من شهداء الله.

وبذلك يتضح أن واقع الدعوة هو واقع الشهادة بوحدانية الله وقيامه بالقسط.

الاختصاص من حيث إظهار نور الله:

وفي تفسير قول الله عز وجل: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .

يقول ابن القيم: المشكاة صدر المؤمن والزجاجة قلبه. شبه قلبه بالزجاجة لرقتها وصفائها وصلابتها؛ وذلك قلب المؤمن فإنه قد جمع الأوصاف الثلاثة؛ فهو برقته يرحم ويحسن ويتحنن ويشفق على الخلق، وبصفائه تتجلي فيه صور الحقائق والعلوم على ما هي عليه ويباعد الكدر والدرن والوسخ بحسب ما فيه من الصفاء،

وبصلابته يشدد في أمر الله ويتصلب ذات الله تعالى ويغلظ على أعداء الله تعالى ويقوم بالحق تعالى.

وواضح أن واقع الدعوة هو واقع اظهار صلابة القلب، وهي ايضا، واقع أظهار صفائه ورقته، وواضح ان القلب برقته وصفائه وصلابته هو واقع اظهار نور الله عز وجل ويتأكد بذلك أن واقع الدعوة من خلال القلب هو واقع اظهار نور الله عز وجل.

الاختصاص من حيث إعلاء كلمات الله:

وفي باب قول الله عز وجل)، قلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدادا). أورد البخاري في كتاب التوحيد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكفل الله لمن جاهد في سبيله لايخرجه من بيته الا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته أن يدخل الجنة أو يرده إلى مسكنه بما نال من أجر أو غنيمة [1] حيث ذكر ابن حجر في فتح الباري قول ابن التين في ورود الحديث في التفسير الآية احتمالين وكلاهما يتضمن أن الكلمات هي الدعوة إلى دين الله فقال: يحتمل ان يكون المراد بكلماته الأوامر الواردة للجهاد وما وعد عليه من الثواب، ويحتمل أن يراد بها ألفاظ الشهادتين وأن تصديقه بها يثبت في نفسه عداوة من كذبها والحرص على قتله، فيتأكد بذلك اختصاص واقع الدعوة بحقيقة كلمات عز وجل.

الاختصاص من حيث تمام الافتقار إلى الله:

وواقع الدعوة هو واقع الافتقار الكامل إلى الله سبحانه وتعالى، وذلك لأن إظهار اثر اسم الغني اقتضي فقر الناس إلى الله سبحانه وتعالى. وفي هذا يقول ابن القيم في طريق الهجرتين ويفسر: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) ، فغناه وحده ثابت له لذاته لا لأمر أوجبه، وفقرمن سواه إليه ثابت لذاته لا مر أوجبه.

وفقر الخلق إلى الله نوعان: اضطراري من كون المخلوق مخلوقا ومصنوعا وفقر اختياري ناشئ عن معرفة العبد بربه ومعرفته بنفسه.

فمن عرف ربه بالغني المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق، ومن عرف ربه بالقدرة التامة عرف نفسه بالعجز التام، ومن عرف ربه بالعلم التام والحكمة عرف نفسه بالجهل.

(1) البخاري في التوحيد 44/ 13 من حديث أبي هريرة مرفوعا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت