وكما كانت الطاعة المطلقة مانعا للفتنة كانت كذلك مواجهة لها بعد وقوعها، ولعل أقوي الأمثلة على هذا المفهوم هو الكفارة التي فرضت على بني اسسرائيل بعد فتنة اتخاذ العجل، فقد كانت الكفارة، وهي ان يقتل بعضهم بعضا كما في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) .
ولأجل أن الطاعة هي مقابل الفتنة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بأن تكون طبيعة الطاعة مقابلة لطبيعة الفتنة، فالفتنة فجأة مما يتطلب أن تكون الطاعة أسرع منها فيقول عليه الصلاة والسلام: (بادروا بالقطاعات قطعا قطعا كاليل المظلم يمسي الرجل مسلما ويبح كافرا، ويصبح مسلما ويمسي كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا) [1] ، ولأجل التقابل كان التناسب بين مستوي العبادة ومستوي الفتنة متحققا بصورة دقيقة اذ ورد في حديث حذيفة عندما سأل عن الفتن قوله: (فتنة الرجل في أهله تكفرها الصلاة والصدقة) ، وهذا يعني أن الفتن المعتادة تكفرها العبادة المعتادة، وباعتبار أن العبادة هي الطاعة المطلقة فإن العبادة كانت أول موانع الفتنة واخرها، ومن هنا قول رسول الله صلى الله عليه الصلاة والسلام: (من يوقظ صواحب الحجرات - يقصد فيها أمهات المؤمنين لصلاة التهجد - ماذا أنزل اليوم من الفتن) [2] ، وقد أورد مسلم في باب (نزول الفتن لمواقع القطر) ، قول أبي بكر عبد الرحمن: (من الصلاة صلاة من فاتنه فكأنما وتر أهله وماله [3] يعني بتلك الصلاة صلاة العصر.
ومن هنا أيضا كان دعاء ختام الصلاة قبل التسليمين كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من الفتن ما ظهر وما بطن، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال) .
وبناء على حقيقة الارتباط بين واقع الدعوة والطاعة ومخافة الذنوب كانت مغفرة الله لذنوب أهل بدر باعتبارهم أداة قدرية لقيام هذا الدين، وذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) [4]
وبذلك تتأكد العلاقة بين ترك الذنوب وتحقيق غاية الدعوة فيصبح ترك الذنوب سببا لتحقيق الغاية وسببا لمغفرة الذنوب [5] .
وبعد معالجة اختصاص واقع الدعوة بالصفة البشرية من خلال المفهوم الخاص للالتزام الشرعي من جانب الدعاة، نتبع هذا الاختصاص بعلاقة الدعاة بحقائق الإظهار القري في واقع الدعوة. وهو الجامع للاختصاص الأول والثاني.
الثالث: الاختصاص من حيث مقتضى ظهور الاسماء والصفات في واقع الدعاة:
الاختصاص من حيث إظهار وحدانية الله:
ففي تفسير قول الله عز وجل: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) .
(1) أخرجه مسلم رقم 118 في الايمان بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو عند الترمذي أيضا بلفظ: بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم ... ألخ.
(2) البخاري في التهجد 10/ 3 من حديث أم سلمة رضي الله عنها.
(3) صحيح أخرجه مسلم في الفتن باب نزول الفتن كمواقع القطر رقم (2886) .
(4) البخاري في التفسير سورة الممتحنة (633/ 8) من حديث على وهي قطعة من حديث طويل فيه قصة حاطب بن أبي بلتعة مع المشركين 0
(5) ولذلك جاء في تفسير (إذا جاء نصر الله والفتح) لما كان رسول الله أطوع الخلق وأشهدهم تعظيما لاوامره قال الله (وينصرك الله نصرا عظيما) أي بسبب خضوعك لامر الله (ابن كثير) 0