فالغني صفة كمال، والحمد صفة كمال، واقتران غناه بحمده كمال أيضا، وعلمه كمال وحكمته كمال، واقتران العلم بالحكمة كمال أيضا، وقدرته كمال، ومغفرته كمال، واقتران القدرة بالغفرة كمال، وكذلك العفو مع القدرة، (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) ، واقتران العلم بالحلم، (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) ، وحملة العرش، أربعة اثنان يقولان: (سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، .. ) ، واثنان يقولان: (سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك) .
فما قرن شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم، ومن عفو إلى قدرة، ومن ملك إلى حمد، ومن عزة إلى رحمة (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) ، ومن هنا كان قول المسيح عيسى عليه السلام: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أحسن من أن يقول: فإنك أنت الغفور الرحيم، أي إن غفرت لهم كان مصدر مغفرتك عن عزة وهي كمال القدرة، وعن حكمة وهي كمال العلم، وهذا بخلاف قول الخليل عليه السلام: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، ولم يقل: فإنك عزيز حكيم، لأن المقام مقام استعطاف وتعريض بالدعاء، أي إن تغفر لهم وترحمهم بأن توفقهم للرجوع من الشرك إلى التوحيد، ومن المعصية إلى الطاعة كما في الحديث: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) ، وفي هذا أظهر الدلالة على أن أسماء الله تعالى مشتقة من أوصاف ومعاني قامت به، وأن كل اسم يناسب ما ذكر معه واقتران به من فعله وأمره.
ويبين ابن القيم أن كمال اقتران الأسماء الحسنى ببعضها هو مصدر الخلق والأمر، فيقول في تفسير اقتران اسم (العزيز) باسم (الحكيم) في تفسير (أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) . أي مصدر ذلك وسببه وغايته صادرا عن كمال قدرتك وكمال علمك، فإن العزة كمال القدرة، والحكمة كمال العلم، وبهاتين الصفتين يقضي سبحانه وتعالى بما شاء ويأمر وينهي ويثب ويعاقب، فهاتان الصفتان مصدر الخلق والأمر.
ويواصل ابن القيم شرح كمال الاقتران بين الأسماء الحسنى فيقول: ولهذا جعل سبحانه اسمه (الجبار) مقرونا (العزيز والمتكبر) ، وكل واحد من هذه الأسماء الثلاثة الآخرين، وهذه الأسماء الثلاثة نظير الأسماء الثلاثة وهي (الخالق والبارىء والمصور) ، (فالجبار المتكبر) يجريان مجري التفصيل لمعني (العزيز) كما أن (البارىء المصور) تفصيل لمعني (الخالق) ، (فالجبار) ، وهي من أوصافه يرجع إلى كمال القدرة والعزة والملك ولهذا كان من أسمائه الحسنى.