وكما يكون كمال الإظهار بارتباط الخلق بكمال الإفراد والاقتران في الأسماء يكون كذلك في الصفات ذلك أن من الحقائق الثابتة في الصفات سبق الرحمة للغضب لقول النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل: (وأن رحمتي سبقت غضبي) [1] ، فنجد أن لهذه الحقيقة مقتضى في الخلق، وأن هذا المقتضي يمتد من بداية الخلق إلى نهايته ومن خلال كل جزيئاته، ويحدد ابن القيم هذه الحقيقة فيقول: ومقتضي سبق الرحمة للغضب هو أن الرحمة وسعت كل شيء، وبها قامت الموجودات، فوصلت رحمته سبحانه حيث وصل علمه، وأن تفسير الرحمة بالنسبة للمؤمنين هي أنهم اكتسبوا أسبابا استوجبوا بها تكميل الرحمة ودوامها وأن تفسير الرحمة بالنسبة للكافرين هي أنهم اكتسبوا أسبابا استوجبوا بها صرف الرحمة إلى غيرهم، وأن الجنة مقتضى الرحمة، وينشىء لها أهلآ وهي باقية بعد النار، وأن النعيم صفة ذات، وأن العذاب صفة فعل بدليل قوله تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) ، وأن الرحمة مقصودة لذاتها، وأن العذاب وسيلة، وأن النار وضعت لإزالة الشرور، وأن الله سبحانه وتعالى جعل الشدائد والآلام في هذه الدنيا بتراء لا دوام لها، وجعل الشدة بين فرجين: فرجا قبلها، وفرجا بعدها.
ويواصل ابن القيم تحديد مقتضيات سبق الرحمة للغضب، فيبين في موضع آخر أن سبق الرحمة للغضب أنشأ في الخلق سنة هامة وهي أن الرحمة واللذة لا يوصل إليها إلا على جسر التعب والمشقة مما يعني أن أي تعب وألم غايته الرحمة واللذة، فلا يوصل إلى الرحمة واللذة إلا على جسر التعب والمشقة، وهذا يريك أن المصائب والآلام حشوها نعم ولذات وهذا لأن الرحمة لها السبق والغلبة فما في طي النقم والعقوبات من الرحمة أسبق من العقوبة وهي الغاية للغضب، فلا بد أن يغلب أثرها أثر الغضب كما غلبت الصفة الصفة.
كما يفسر ابن القيم غلبة جند الله بمقتضي هذه الحقيقة فيقول في تفسير قوله عز وجل: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) . فيقول: فكما غلبت الرحمة غلب جنودها، ولهذا أورد البخاري في باب (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ) ، قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لما قضي الله الخلق كتب عنده فوق العرش أن رحمتي سبقت غضبي) [2] .
وارتباط الخلق بالأسماء والصفات إنما يكون بحكمة تامة وتناسب مطلق.
ويفسر ابن القيم ذلك من خلال ارتباط العرش باسم (الرحمن) فيقول:: ولهذا يقرن استواؤه على العرش بهذا الاسم كثيرا. كقوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ، (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَن) ، فاستوى على عرشه باسم الرحمن لأن العرش محيط بالمخلوقات قد وسعها والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم كما قال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) .
فاستوى على العرش أوسع المخلوقات بأوسع الصفات، فلذلك وسعت رحمته كل شيىء، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (لما قضي الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده موضوع على العرش؛ أن رحمتي سبقت غضبي) [3] ، وفي لفظ: (فهو عنده على العرش) ...
(1) حديث صحيح متفق عليه: البخاري في (بدء الخلق) [287/ 6] ، ومسلم في (الذكر والدعاء) [67 - 68/ 17] .
(2) سبق تخريجه.
(3) سبق تخريجه.