والرب تعالى يحب ذاته وصفاته وأسمائه، فهو عفو يحب العفو، ويحب المغفرة، ويحب التوبة، ويفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح يخطر ببال.
وكان تقدير ما يغفره ويعفو عن فاعله ويحلم ويتوب عليه ويسامحه من موجب أسمائه وصفاته، وحصول ما يحبه ويرضاه من ذلك وما يحمد به أهل سمواته وأهل أرضه ماهو من موجبات كماله ومقتضيات حمده، وهو سبحانه الحميد المجيد وحمده ومجده يقتضيان آثارهما.
ومن آثارهما مغفرة الذلآت وإقالة العثرات والعفو عن السيئات والمسامحة على الجنايات، مع كمال القدرة على استيفاء الحق. والعلم منه سبحانه وتعالى بالجناية ومقدار عقوباتها فحلمه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، ومغفرته عن كمال عزته وحكمته، كما قال المسيح عليه السلام: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، أي فمغفرتك عن كمال قدرتك وحكمتك، ولست كمن يغفر عجزا ويسامح جهلا بقدر الحق، بل عليم قادر على استيفائه، حكيم في الأخذ به.
ومن تأمل سريان الأسماء والصفات في العالم [1] وفي الأمر [2] تبين له أن مصدر قضاء هذه الجنايات من العبيد وتقديرها هو من كمال الأسماء والصفات والأفعال، وأن غاياتها أيضا مقتضى حمده ومجده كما هو مقتضى ربوبيته وإلهيته.
ولله في كل ما قضاه الحكمة البالغة والآيات الباهرة والتعرفات إلى عباده بأسمائه وصفاته واستدعاء محبتهم له وذكرهم وتعبدهم له بأسمائه الحسنى، إذ كل اسم له تعبد مختص به ومعرفة وحال، وأكمل الناس عبودية المتعبد بجميع الأسماء.
والصفات التي يطلع عليها البشر فلا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر فلا يحجبه التعبد باسمه (القدير) عن التعبد باسمه (الحليم، الرحيم) أو يحجبه اسمه (المعطي) عن عبودية اسمه (المانع) أو عبودية اسمه (الرحيم والعفو والغفور) عن التعبد باسمه (العليم، البر) ، واللطف والإحسان عن أسما (العدل والجبروت والعظمة والكبرياء) ، ونحو ذلك.
وهذه طريقة الكمل من السائرين إلى الله وهي طريقة مشتقة من قلب القرآن قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) ، والدعاء بها يتناول المسألة ودعاء الثناء ودعاء التعبد، وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها.
وهو سبحانه يحب موجب أسمائه وصفاته.
فهو (عليم) يحب كل عالم، (جواد) يحب كل جواد، (وترآ) يحب الوتر، (جميل) يحب الجمال، (عفو) يحب العفو وأهله، (حيي) يحب الحياء وأهله، (برآ) يحب الأبرار، (شكور) يحب الشاكرين، (صبور يحب الصابرين،(حليم) يحب أهل الحلم، فلمحبته سبحانه للتوبة والمغفرة والعفو والصفح خلق من يغفر له ويتوب عليه ويعفو عنه وقدر عليه ما يقتضي وقوع المكروه والمبغوض ليترتب عليه المحبوب له المرضي له، فتوسط كتوسط الأسباب المكروهة المفضية إلى المحبوب.
وارتباط الخلق بآثار الأسماء إنما هو إظهار لكمالها، ذلك أن كل اسم له بين أسماء الله كمال بمفرده، وكمال من الآخر بمفرده، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر، فجاء الخلق مرتبطا بمقتضي الكمال في أسماء الله إفرادا واقترانا فله بذلك جميع أقسام الكمال كمال من هذا الاسم بمفرده وكمال من الآخر بمفرده، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر، مثال قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) ، (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ، (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
(1) يعني الأقدارالكونية.
(2) يعني الأقدار الشرعية.