الصفحة 18 من 164

ولهذا اقتضت الحكمة الباهرة أن تكون الرياح مختلفة المهاب والصفات والطبائع.

فزعم نفاة الحكمة أن هذا كله أمر اتفاقي لا سبب ولا غاية، وهذا لو تتبعناه لجاء عدة أسفار بل لو تتبعنا خلقه الإنسان وحده وما فيه من الحكم والغايات لعجزنا نحن وأهل الأرض عن الإحاطة بتفصيل ذلك.

وينفي العلم الحديث أن يكون الوجود مصادفة ويثبت الحكمة فيقول (كريسي موريسون) صاحب كتاب (العلم يدعو للإيمان) : فإذا لم تكن الحياة قد نشأت بحكمة وتصميم سابق، وأن تكون قد نشأت عن طريق المصادفة فما هي تلك المصادفة؟ حتى نتدبرها ونرى كيف تخلق الحياة؟ إن نظريات المصادفة والاحتمال لها الآن من الأسس الرياضية السليمة ما يجعلها تطبق على نطاق واسع حيث لا نعلم الحكم الصحيح المطلق، وتضع هذه النظريات أمامنا الحكم الأقرب إلى الصواب مع تقدير احتمال الخطأ في هذا الحكم. ولقد تقدمنا في دراسة نظرية المصادفة والاحتمال من الوجهة الرياضية تقدما كبيرا حتى أصبحنا قادرين على التنبؤ بحدوث بعض الظواهر التي تقول إنها تحدث بالمصادفة والتي لا تستطيع أن تظهر نفس ظهورها بطريقة أخرى (مثل قذف الزهر في لعبة النرد) ، وقد صرنا بفضل تقدم هذه الدراسات قادرين على التمييز بين ما يمكن أن يحدث بطريق المصادفة وما يستحيل حدوثه وأن يجب احتمال حدوث ظاهرة من الظواهر في مدي معين من الزمان.

ولننظر الآن إلى الدور الذي تستطيع أن تلعبه المصادفة في نشأة الحياة. إن البروتينات من المركبات الأساسية في جميع الخلايا الحية وهي تتكون من خمسة عناصر هي: الكربون والإيدروجين والنتروجين والأكسجين والكبريت، ويبلغ عدد الذرات في الجزىء الواحد 405.000 ذرة. ولما كان عدد العناصر الكيماوية في الطبيعة 39 عنصرا موزعة كلها توزيعا عشوائيا فإن احتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة التي تكون جزئيا من جزئيات البروتين يمكن حسابه لمعرفة كمية المادة التي ينبغي أن تخلط لكي تؤلف الجزىء، ثم لمعرفة طول الفترة الزمنية اللازمة لكي يحدث هذا الاجتماع بين ذرات الجزىء الواحد.

وقد قام العالم الرياضي السويسري (تشارل زيوجين جاي) بحساب هذه العوامل جميعا فوجد أن الفرصة لا تتهيأ عن طريق المصادفة لتكوين جزىء بروتيني واحد إلا بنسبة 1/ 160 أي بنسبة رقم عشرة في نفسه 160 مرة وهو رقم لا يمكن النطق به أو التعبير عنه بكلمات. وينبغي أن تكون المادة التي تلزم لحدوث هذا التفاعل بالمصادفة بحيث ينتج جزىء واحد أكثر مما يتسني له كل هذا الكون بملايين المرات، ويتطلب تكوين هذا الجزىء، وعلى سطح الأرض وحدها عن طريق المصادفة بملايين لا تحصي من السنوات قدرها العالم السويسري بأنها مضروبة في نفسها 342 مرة من السنين (10 - 342) سنة.

إن البروتينات تتكون من سلاسل طويلة من الأحماض الأمينية فكيف تتألف ذرات هذه الجزئيات؟ إنها إذا تألفت بطريقة أخرى غير التي تتألف بها تصير غير صالحة بل تصير في بعض الأحيان سموما. وقد حسب العالم الإنجليزى (سيثر) الطرق التي يمكن أن تتألف بها الذرات في أحد الجزئيات البسيطة من البروتينات فوجد أن عددها يبلغ الملايين (10/ 48) ، وعلى ذلك فإنه من المحال عقلا أن تتألف كل هذه المصادفات لكي تبني بروتينا واحد!

ولكن البروتينات ليست إلا مواد كيماوية عديمة الحياة ولا تدب فيها إلا عندما يحل فيها ذلك السر العجيب الذي لا ندري من كنهه شيئا؛ إنه العقل اللانهائي [1] وهو الله وحده الذي علم سبحانه ببالغ حكمته أن مثل هذا الجزىء البروتيني يصلح أن يكون مستقرا للحياة فبناه وصوره وأغدق عليه سر الحياة.

وبعد إثبات أصل الحكمة نأتي إلى حقائق الإظهار الخمسة المرتبطة بهذا الأصل.

أولا: الحق:

(1) هذه عبارة كريسى موريسون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت