وكذلك الحكمة الباهرة في انتهاء مقدار الليل والنهار إلى هذا الحد فلو زاد مقدار أحدهما زيادة عظيمة لتعطلت المصالح والمنافع وفسد النظام، وكذلك الحكمة في ابتداء القمر دقيقا ثم أخذه في الزيادة حتى يكتمل ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حالته الأولى. فكم في ذلك من حكمة ومصلحة ومنفعة للخلق فإنهم بذلك يعرفون الشهور والسنين والآجال، وأشهر الحج، والتاريخ، ومقادير الأعمار، ومدد الإجارات بذلك، وغيرها ... وهذا وإن كان يحصل بالشمس إلا أن معرفته بالقمر وزيادته ونقصانه أمر مشترك فيه الناس كلهم ...
وكذلك الحكمة في إنارة القمر والكواكب في ظلمة الليل فإنه من الحاجة إلى الليل وظلمته لهدوء الحيوان وبرد الهواء عليه وعلى النبات لم يجعل الليل ظلاما محضا فيه فلا يمكن فيه سفر ولا عمل وربما احتاج الناس إلى العمل بالليل لضيق الوقت في النهار ولشدة الحر، فيتمكنون في ضوء القمر من أعمال كثيرة. وجعل نوره باردا ليقاوم حرارة نور الشمس، فيرد سمومه، فيعتدل الأمر، ويكسر كيفية كل منهما كيفية الآخر، ويزيل ضررها ...
وكذلك الحكمة في خلق النجوم فإن فيها الهداية في البر والبحر والاستدلال على الأوقات وزينة السماء وغير ذلك ...
وكذلك الحكمة في خلق النار على ما هي عليه كامنة في حاملها؛ فإنها لو كانت ظاهرة كالهواء والماء والتراب لأحرقت العالم وما فيه ولم يكن بد من ظهورها في الاحايين للحاجة إليها فجعلت مخزونة في الأجسام توري عند الحاجة إليها فتمسك بالمادة والحطب ما احتيج إلى بقائها ثم تخبو إذا ما استغني عنها، فجعلت على خلق وتقدير وتدبير حصل به الاستمتاع والانتفاع مع السلامة من ضررها، ثم للنار خلة أخرى وهي أنها مما خص به الإنسان دون سائر الحيوان؛ فإن الحيوانات لا تستعمل ولا تتمتع بها، ولما اقتضت الحكمة الباهرة لذلك اغتنيت الحيوانات عنها في لباسها وأقواتها، فأعطيت من الشعور والأوبار، وجعلت أغذيتها بالمفردات التي لا تحتاج إلى طبخ وخبز. ولما كانت الحاجة إليها شديدة جعل من الآلآت والأسباب ما يتمكن به من إثارتها إذا شاء ومن إبطالها. ومن حكمتها هذه المصابيح التي يوقدها الناس فيتمكنون بها من كثير من حاجاتها ولولاها لكان نصف أعمارهم بمنزلة أصحاب القبور، وأما منافعهم في إنضاج الأغذية والأدوية والدفء، فلا يخفي.
وقد نبه تعالى على ذلك بقوله: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَاتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) . أي تذكر بنار الاخره فيتحرز منها ويستمتع المقوون وهم النازلون بالفيفاء وهي الأرض الخالية. وخص هؤلاء بالذكر لشدة حاجتهم إليها في خبزهم وطبخهم حيث لا يجدون ما يشترونه فيغنيهم عن ما يصنعونه بالنار.
وكذلك الحكمة في خلق النسيم وما فيه من المصالح والعبر؛ فإنه حياة هذه الأبدان وقوامها من خارج ومن داخل، وفيه هذه الأصوات فيؤديها إلى السامع، وهو الحامل لهذه الأراييح يؤديها إلى المسام، وينقلها من موضع إلى موضع، وهو الذي يزجي السحاب ويسوقه من مكان إلى مكان على ظهره كالروايا على ظهور الإبل، وهو الذي يسير السحاب أولا فيكون كسفا متفرقة فيؤلف بينه ثانيا فيصير طبقا واحد، ثم يلقحه ثالثا كما يلقح الفحل الأنثي فيحمل الماء كما تحمل الأنثي من لقاح الفحل، ثم يسوقه رابعا إلى أحواج الأماكن والحيوان إليه، ثم يعصره خامسا حتى يخرج ماؤه، ثم يذر ماؤه بعد عصره سادسا حتى لا يسقط جملة فيهلك ما يقع عليه، ثم يربي النبات سابعا فيكون له بمنزلة الماء والغذاء يجففه بحرارته ثامنا لئلا يعفن ولا يمكن بقاءه.