علمنا مما سبق أن الله يعرف بآثار صفاته وأفعاله؛ وهذا الخلق جزء من تلك الآثار ابتداء من مادة الخلق وعناصره والعلاقة بين تلك العناصر، ومرورا بكيفية الخلق ومراحله والعلاقة بين تلك المراحل، وانتهاء بنظام الخلق وظواهره والعلاقة بين تلك الظواهر بما في ذلك ما يسمي غرائب الطبيعة فإننا نؤمن أن لها دلالة اعتقادية تثبتها وتظهرها وإن لم تدرك حكمتها؛ هذا من حيث الواقع الكوني.
أما من حيث الأسماء والصفات فإن حقيقة جمع الأفعال والأسماء والصفات هو أساس الإظهار ومعني حقيقة الجمع هو أن أفعال الله راجعة ومجتمعة في أسمائه كما أن جميع أسمائه راجعة ومجتمعة في صفاته فإذا كان الخلق من أفعال الله وأن أفعال الله تكون بالحكمة، فإن الحكمة تكون بذلك أصل حقائق الإظهار من حيث الأسماء والصفات ومن حيث الخلق ...
أ) حقائق الإظهار من حيث الأسماء والصفات: وأصلها الحكمة؛
وفي إثباتها يقول ابن القيم: أن مجرد الفعل من غير قصد ولا حكمة ولا مصلحة يقصدها يقصدها الفاعل أصلآ لا يكون متعلقا للحمد؛ فلا يحمد عليه حتى لو حصلت به مصلحة من غير قصد الفاعل لحصولها لم يستحق الحمد عليها كما تقدم؛ بل الذي يقصد الفعل لمصلحة وحكمة وغاية محمودة وهو عاجز عن تنفيذ مراده أحق بالحمد من قادر لا يفعل لحكمة ولا لمصلحة ولا لقصد الإحسان هذا المستقر في فطر الخلق ...
ويواصل ابن القيم إثبات الحكمة فيقول في (شفاء العليل) : (ولم يكن طلوع الشمس وغروبها على هذا النظام لغير علة ولا حكمة مطلوبة فكم من حكمة ومصلحة في ذلك: إقامة الليل والسكن فيه، والنهار والمعاش فيه، فلوجعل الله عليهم الليل سرمدا لتعطلت مصالحهم وأكثر معايشهم؛ والحكمة في طلوعها أظهر من أن تنكر ولكن تأمل الحكمة في غروبها إذ لولا ذلك لم يكن هدوء ولا قرار ولا راحة وكان الكد الدائم فتتلف أبدانهم وتسرع فسادها وكان ما على الأرض يحرق بدوام الشمس من حيوان ونبات فصار النور والظلمة على تضادهما متعاونين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه ونظامه ...
وكذلك الحكمة في ارتفاع الشمس وانحطاطها لإقامة هذه الأزمة الأربعة وما في ذلك من الحكمة فإن في الشتاء تغور الحرارة في الشجر فيتولد من ذلك مواد الثمار وتكيف الهواء فتنشأ منه السحاب، ويحدث المطر الذي به حياة الأرض والحيوان وتشتد أفعال الحيوان، وتقوي الأفعال الطبيعية، وفي الربيع تتحرك الطبائع وتظهر المواد الكامنة في الشتاء، وفي الصيف يسخن الهواء فتنضج الثمار، ويتحلل فضول الأبدان، ويجف وجه الأرض فيهيأ للبناء وغيره، وفي الخريف يصفو الهواء ويعتدل فيذهب بسورة حر الصيف وسموسه إلى أضعاف ذلك من الحكم ...
وكذلك الحكمة في تنقل الشمس فإنها لو كانت واقفة في موضع واحد لفاتت مصالح العالم ولما وصل شعاعها إلى كثير من الجهات؛ لأن الجبال والجدران يحجبها عنها، فاقتضت الحكمة الباهرة أن جعلتها تطلع أول النهار من المشرق وتشرق على ما قابلها من وجه الغرب، ثم لا تزال تغشى وجها بعد وجه حتى تنتهي إلى الغرب، فتشرق على ما استتر عنها أول النهار، فتأخذ جميع الجهات منها قسطا من النفع ...