الصفحة 19 من 164

وفي ارتباط الحق بالحكمة يقول ابن القيم: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) ، والحق هو الحكم والغايات المحمودة التي لأجلها خلق ذلك كله، ويفصل ابن القيم هذه الحكم فيقول: هي أنواع كثيرة منها: أن يعرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وآياته، ومنها أن يحب ويعبد ويشكر ويذكر ويطاع، ومنها أن يأمر وينهي ويشرع الشرائع، ومنا أن يدبر الأمر ويبرم القضاء ويتصرف في المملكة بأنواع التصرفات، ومنها أن يثيب ويعاقب فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فيوجد أثر عدله وفضله موجودا مشهودا فيحمد على ذلك ويشكر، ومنها أن يعلم خلقه أنه لا إله غيره ولا رب سواه، ومنها أن يصدق الصادق فيكرمه ويكذب الكاذب فيهينه، ومنها ظهور آثار أسمائه وصفاته على تنوعها وكثرتها في الوجود الذهني والخارجي فيعلم عباده ذلك علما مطابقا لما في الواقع، ومنها شهادة مخلوقاته كلها بأنه وحده ربها وفاطرها ومليكها وأنه وحده إلهها ومعبودها، ومنها ظهور أثر كماله.

المقدس فإن الخلق والصنع لازم كماله فإنه حي قدير، ومن كان كذلك لم يكن إلا فاعلا مختارا، ومنها أن يظهر أثر حكمته في المخلوقات بوضع كل منها في موضعه الذي يليق ومحبته على الوجه الذي تشهد العقول والفطر بحسنه، فتشهد حكمته الباهرة، ومنها أنه سبحانه يحب أن يجود وينعم ويعفو ويغفر ويسامح، ولا بد من لوازم ذلك خلقا وشرعا، ومنها أنه يحب أن يثنى عليه ويمدح ويمجد ويسبح ويعظم ومنها كثرة شواهد ربوبيته ووحدانيته وإلهيته، إلى غير ذلك من الحكم التي تضمنها الخلق، فخلق مخلوقاته بسبب الحق ولأجل الحق وخلقها ملتبس بالحق وهو في نفسه حق فمصدره حق وغايته حق وهو متضمن للحق [1] .

وقد بوب البخاري بابا في قول الله عز وجل: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) . ثم روي حديث ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو من الليل وذكر دعاءه وفيه: (أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك الحق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق) ، ويعلق ابن القيم على ذلك بقوله: وذلك من البخاري إشارة إلى مذهب أهل السنة في إثبات الحكمة.

ثانيا: العدل:

وفي ارتباط الحكمة بالعدل يقول ابن القيم: والدليل على هذا هو إنكاره سبحانه أن يسوي بين المختلفين أو يفرق بين المتماثلين وأن حكمته وعدله يأبي ذلك.

(1) راجع شفاء العليل ص 198

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت