وكمال الإظهار، هو الحد النهائي لمفهوم الإظهار فإذا كان مفهوم الإظهارهو الدلالة الاعتقادية لحقائق الخلق، فإن كمال الإظهار هو إثبات الكمال في الدلالة الاعتقادية التي تظهر بالواقع، فإذا كان إثبات القدرة هو مضمون تلك الدلالة، فإن كمال الإظهار هو إثبات كمال هذه القدرة ...
وأدلة كمال اظهار القدرة منها ما هو كوني مثل قول الله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) ، وكون النار من الشجر فإن هذه دليل قدرة ولكن أن تكون النار من الشجر الأخضر الريان بالماء يحتك بعضه ببعض فيولد نارا ثم يصير هو وقود النار بعد اللدونه والإخضرار، فإن هذا يضيف إلى القدرة كمالها ...
ومثال قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الحبة السوداء فيها شفاء من كل داء) [1] ، فإن كون لكل داء دواء هذا دليل قدرة ولكن حبة صغيرة سوداء فيها من كل داء فإن هذا يضيف إلى حقيقة القدرة كمالها ...
غير أن واقع الدعوة هو المجال الذي يثبت فيه كمال الإظهار بصورة واضحة والصيغة الأساسية لهذا الظهور هو أن نصوص إظهار القدرة الإلهية تبدأ من واقع الضعف البشري الكامل أو إثبات التأييد الإلهي من بدايته وهذه هي الحكمة في أن يخبر القرآن في قصة وحي الله ليوسف وهو في البئر (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) ، لأن وجود يوسف الصغير الملقي في البئر هي نقطة الضعف الكامل التي ستجعلها القدرة الإلهية الكاملة بداية للتمكين التام وهو موضوع القصة كلها
وصيغة إظهار القدرة الإلهية بالتأييد في لحظة الضعف التام لأصحاب الدعوة هي الصيغة الأولى من صيغ إثبات القدرة. أما الصيغة الثانية فهي إظهار القدرة الألهية بالإهلاك في لحظة القدرة الكاملة لأعداء الدعوة، من أجل ذلك جعل الله يأجوج ومأجوج يصلون قبل إهلاكهم إلى حد القدرة الكاملة، قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض فرغنا منهم وبقي أهل السماء، فقال قائل ثم يهز أحدهم حربته ثم يرمي بها إلى السماء فترجع إليه مختضبة دما للبلاء والفتنة، فبينما هم على ذلك بعث الله دودا في أعناقهم كنغف الجراد الذي في أعناقه [2] فيصبحون موتي لا يسمع لهم حس ...
(1) حديث صحيح رواه الجماعة: أخرجه البخاري في (الطب) (143/ 10) ، ومسلم في السلام (2215) ، والترمذي في الطب (2042) كلهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) الحديث أخرجه أحمد في (مسنده) [510 - 115/ 2) [77/ 2)، والترمذي (597 - 598/ 8) في التفسير، وابن ماجد في (الفتن) رقم (4079) من حيث أبي هريرة وسنده حسن إن شاء الله كما قال الترمذي، وقال ابن كثير (426/ 4) في تفسيره: (إسناده جيد قوي) ثم استنكر دفعه، ولا نكارة كما بينه الألباني في الصحيحه (1735) ، والحديث أخرجه الحاكم (488/ 4) ، وصححه ووافقه الذهبي.