وفي رواية البخاري ومسلم (فأشتد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم وأشد ما تجدون من الحر من حر جهنم) .
ولا يتوقف أمر الدلالة الإعتقادية على (العناصر) ، و (الظواهر الكونية) ، بل يمتد إلى (الأوضاع الكونية) ، ولعل أهم مثال لذلك هو وضع بيت المقدس والسور الذي فيه، حيث جعله الله مثالا كونيا لوضع السور الذي بين الجنة والنار في الآخرة ودليل ذلك هو ما ورد في تفسير قول الله
عز وجل: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) ، حيث تضمن ذلك السور هو سور بيت المقدس عند وادي جهنم وهو الوارد عن عبد الله بن عمرو وعبادة بن الصامت وكعب الأحبار وعلى بن الحسين وزين العابدين.
ثم تعقيب ابن كثير على هذا الرأي بقوله: وهذا محمول منهم على أنهم أرادوا بهذا تقريب المعنى ومثالا لذلك لا أن هذا هو الذي أريد من القرآن بهذا الجدار المعين ونفس المسجد وما وراءه من الوادي المعروف بوادي جهنم؛ فإن الجنة في أعلي عليين والنار في الركات أسفل سافليين، وتعقيب ابن كثير بأنهم أرادوا بهذا تقريب المعنى ومثالا لذلك، لا يفهم على أنه مجرد تمثيل بأي مكانين بينهما فاصل وإلا لأصبح أي مكانين في الدنيا بينهما فاصل مثالا لذلك، ولكن قول ابن جرير المروي عن عبد الله بن عمرو وعبادة بن الصامت يفيد أن بيت المقدس ووادي جهنم والسور الذي بينهما هم على وجه الخصوص صورة مادية للحقيقة الغيبية المتعلقة بالسور الذي بين الجنة والنار الوارد في الآية كما ورد قول ابن جرير أن ذلك السور سور بيت المقدس عند وادي جهنم، ويؤكد هذا التخصيص إطلاق اسم جهنم على الوادي الذي خلف السور وإطلاق اسم باب الرحمة على الباب الذي في السور، وعلى هذا يكون القول في المسألة أن السور الوارد في الآية هو الذي بين الجنة والنار، وأن السور الذي بين بيت المقدس ووادي جهنم هو على وجه التحديد مثال أوجده الله سبحانه إظهارا كونيا لحقيقة غيبية ...
والجدير بالذكر أن هذا المكان هو الذي سيشهد قتل عيسى ابن مريم للدجال حيث كان يصلي عيسى ببيت المقدس ويقف الدجال خلف الباب [1] وقد أورد الآلوسي في تفسير (روح المعاني) ، قولا آخر هو أن المقصود من الآية: أن موضع الجنة والنار والسور بينهما سيكون هو نفس موضع بيت المقدس ووادي جهنم، والسور الذي بينهما، وذلك في حال تبدل الأرض والسموات وذلك في تفسير الآية: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) ، حيث أورد قول ابن جرير فقال: أخرج عبد بن حميد عن أبي سنان قال: كنت مع على بن عبد الله بن عباس عند وادي جهنم يعني المكان عند وادي جهنم، وأخرج هو وابن جرير والمنذر والحاكم وصححه وغيرهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن السور الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في القرآن: (فضرب بينهم بسور له باب) ، هو سور بيت المقدس (باطنه فيه الرحمة) ، المسجد (وظاهره من قبله العذاب) ، يعني وادي جهنم وما يليه ...
(1) سيأتي النص الدال على ذلك في فصل (علامات الساعة إن شاء الله تعالى) .