وهناك تبيض وتموت، أما صغارها، تلك التي لا تملك وسيلة لتعرف بها أي شيء سوى أنها في مياه قفرة، فإنها تعود أدرجها وتجد طريقها إلى الشاطىء الذي جاءت منه أمهاتها، ومن ثم إلى كل نهر وبحيرة أو بركة صغيرة، ولذلك يظل كل جزء من الماء آهلًا بثعابين البحار. لقد قاومت التيارات القوية وثبتت للأمداد والعواصف وغلبت الأمواج المتلاطمة على كل شاطىء وهي الآن يتاح لها النمو حتى إذا اكتمل نموها دفعها قانون خفي إلى الرجوع حيث كانت بعد أن تتم الرحلة كلها، فمن أين ينشأ الحافز الذي يوجهها لذلك؟ لم يحدث قط أن صيد ثعبان أمريكي في المياه الأوروبية أو صيد ثعبان أوروبي في المياه الأمريكية، والله تعالى جعل الطبيعة تبطىء في إنماء ثعبان الماء الأوروبي سنة وأكثر لتعوض من زيادة مسافة الرحلة التي يقطعها (إذ أن مسافته أطول من مسافة زميله الأمريكي) تري هل الذرات والهباءات إذا توحدت معا في ثعبان ماء يكون لها حاسة التوجيه وقوة الإرادة اللازمة للتنفيذ؟
ولقد بلغت العلاقة بين غاية الإظهار والواقع الكوني من التوافق حد الاستيعاب إلى الدرجة التي تصبح الظواهر الكونية أساسا قياسيا لإثبات الحقائق الاعتقادية.
ودليل ذلك قول الله عز وجل في طبيعة الاستقامة والانحراف بقياس قصد السبيل الاعتقادي على السبيل الكوني في قوله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) .
يقول ابن كثير: لما ذكر تعالى مايسار عليه من السبل الحسية عرج منه على الطرق المعنوية النافعة الدينية كقوله: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) ، وقال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) ، ثم شرع في ذكر الطرق التي يسلكها الناس إليه فيبين أن الحق منها ما هي موصل إليه فقال: (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيل) ، كقوله: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) ، وقال: (قالَ هَذَا صِرَاطٌ على مُسْتَقِيمٌ) ، قال مجاهد في قوله: (وعلى الله قصد السبيل) ، قال: طريق الحق إلى الله، قال السدي: الإسلام ...
وإذا كان الطريق في الأرض مثالا اعتقاديا على الطريق إلى الله فإن الكون كله مثال اعتقادي عل الحقائق الغيبية وعلى العقل البشري أن يسلم بالتفسير الاعتقادي للواقع الكوني وللظواهر الكونية ...
فظاهرة (النجم الثاقب) لا تقبل تفسيرا لها سوي أن النجم ينزل على الشياطين التي تسترق السمع في السماء بدليل قول الله: (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا) ، وكذلك أشد ما نجد من الحر والبرد حيث يروي أبو هريرة رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف) [1] , بهذا الأسناد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا اشتد البرد فأبردا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم) [2] ...
(1) البخاري في بدء الخلق (330/ 6) ، ومسلم رقم (617) ، والترمذي (2595) في صفة جهنم وهو في المسند (238، 462/ 2) ، والموطأ من حديث عطاء بن يسار.
(2) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة (15/ 2) باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، ومسلم رقم (615) في المساجد باب أستحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر، والحديث عند الترمذي (157) ، وأبي داود (402) ، والنسائي (248/ 1) ، الموطأ (15/ 1) كلهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وهو في المسند (26/ 2) .