الصفحة 11 من 164

وكذلك حديث الذئب والراعي: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بينما راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاه فطلبه الراعي فالتفت الذئب فقال: من لها يوم السبع(الافتراس) ، يوم ليس لها راع غيري. قالو: سبحان الله أذئب يتكلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آمنت بذلك أنا وأبو بكر وعمر) [1] ...

والمعنى في هذه الخارقة التي تضمنها الحديث هي أن هذا الموقف صورة للواقع الجاهلي الذي نري فيه الذئب هو الشيطان في الواقع ونري فيها الغنم هم الناس، وبذلك يحدد الحديث موقع الشيطان في الجاهلية حيث يحتل موقع السلطة ومكان الراعي، فيتحدد بذلك التصور الاعتقادي عند المسلم لأي سلطة جاهلية على أنها ولاية شيطانية يجلس فيها الحاكم على كرسي صنعه من صنع لإبليس كرسيا فوق الماء ليجلس عليه ويبعث سراياه فيفتنون الناس [2] ...

والإظهار بالنسبة للواقع الكوني ليس مجرد ظاهرة أو مجموعة ظواهر، بل إن هدف الإظهار يستوعب الواقع الكوني إلى الحد الذي يصبح هذا الإظهار هو الصيغة الكونية الاعتقادية لتفسير أي ظاهرة نعجز عن تفسيرها بالصورة الطبيعية، وهكذا يعلمنا ابن كثير فيقول في البداية والنهاية: قال وهب بن منبه: أوحي الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له (أرميا) حين ظهرت المعاصي أن قف بين ظهراني قومك فأخبرهم أن الدواب تذكر أوطانها فتنزع إليها وأن هؤلاء القوم تركوا الأمر وهي ظاهرة هجرة الطيور والأسماك إلى أوطانها التي تفسر باعتبارها دلالة كونية على العودة إلى الفطرة،

ويفسر العلم الحديث هذه الظاهرة بنفس المنطق فيقول: (أ. كريسي موريسون) رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك وكتابه (الإنسان لا يقوم وحده) : إن الطيور لها غريزة العودة إلى الموطن، فعصفور الهزاز الذي عشش ببابك يهاجر جنوبا في الخريف ولكنه يعود إلى عشه في الربيع التالي، وفي شهر سبتمبرتطير أسراب من معظم طيورنا إلى الجنوب وقد تقطع في الغالب نحو ألف ميل فوق أرض البحار ولكنها لا تضل طريقها، وسمك (السلمون) الصغير يمضي سنوات في البحر ثم يعود إلى نهره الخاص به، والأكثر من ذلك أنه يصعد إلى جانب النهر الذي يصب عنده النهير الذي ولد فيه، فما الذي يجعل السمك يرجع إلى مكان مولده بهذا التحديد؟ إن سمكة السلمون التي تصعد في النهر صعدًا إذا نقلت إلى نهير آخر أدركت توًا أنه ليس جدولها فهي لذلك تشق طريقها خلال النهر ثم تحيد ضد النهر إلى مصيرها ...

وهناك لغز أصعب من ذلك يتطلب الحل، وهو الخاص بثعابين الماء التي تسلك عكس هذا المسلك، فإن تلك المخلوقات العجيبة متي اكتمل نموها هاجرت من مختلف البرك والأنهار، وإذا كانت في أوروبا قطعت آلف الأميال في المحيط قاصدة كلها إلى الأعماق السحيقة جنوبي (برمودا) .

(1) البخاري في فضائل الصحابة (42/ 7) ، ومسلم رقم (2388) في فضائل الصحابة أيضا.

(2) راجع كتاب عندما ترعي الذئاب الغنم للمؤلف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت