وتحديدا لمعني التجسيد في إطارمفهوم الإظهار: نأتي إلى تجسيد أهم حقائق القدر وهو الكتاب الذي يتضمن أسماء أهل الجنة وأسماء أهل النار، وهو ما ورد في تفسير قول الله عز وجل: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال: (أتدرون ما هذان الكتابان؟) . قلنا: لا. إلا أن تخبرنا يا رسول الله قال صلى الله عليه وسلم للذي في يمينه: (هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم لا يزاد منهم ولا ينقص منهم أبدا) . ثم قال للذي في يساره: (هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم لا يزاد منهم ولا ينقص منهم) . فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلأي شيء نعمل إن كان أمر قد فرغ منه؟ قال رسول الله عليه وسلم: (سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل) . ثم قال صلى الله عليه وسلم بيده فقبضها ثم قال: (فرغ ربكم عز وجل من العباد) ، ثم قال: باليمني فنبذ بها فقال: (فريق في الجنة) ، ونبذ باليسري وقال: (وفريق في السعير) [1] .
وبإيجاد المخلوقات وتجسيد الأعراض يتحقق الكمال الواقعي للإظهار بحيث تصبح كل مادة وعرض داخلة في إطار الإظهار لآثار أسماء الله وصفاته ...
وبكمال الإظهار يتحدد التفسير الإسلامي للوجود مادة وحركة حتى أن ابن القيم يقول في تفسير ظاهرة المادة المهملة في الوجود: ولما كان جوده وفضله أوسع من حاجة الخلق، لم يكن بد من بقاء كثير منه مبذولا في الوجود مهملا، وهذا كضوء الشمس مثلآ ...
والقرآن الكريم هو الكتاب المتضمن لتصور الدلائل الكونية للحقائق الاعتقادية.
لا من حيث الدلائل والحقائق، ولكن من حيث تصور العلاقة بينهما، وهذا تفسير قول الله تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) ، إذ أن معنى الآية أن الله يضرب المثل من الواقع القائم لإثبات الحقبقة الاعتقادية (يراجع تفسير ابن كثير) ، بما في ذلك الخوارق الكونية ولذلك أورد الإمام أحمد حديثا يؤكد حقيقة المثل في الخارقة الكونية فيقول: عن عبد الله بن عمرو أنه حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ضاف ضيف رجلا من بني أسرائيل وفي داره كلبه مجح فقالت الكلبة: والله لا أنبح ضيف أهلي. فعوي جروها في بطنها، قال: قيل ما هذا؟ فأوحي الله إلى رجل منهم: هذا مثل أمة تكون من بعدكم يقهر سفهاؤهم أحلامها ... ) [2] .
(1) أخرجه أحمد في المسند (167/ 2) ، والترمذي في (القدر) (350/ 6) ، وقال: (حسن صحيح غريب) ، والنسائي في التفسير - كما قال المزي في أطرافه (343/ 6) - وأخرجه أيضا أبو نعيم في الحلية (168/ 5) ، وغيرها كلهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي. وسنده صحيح كما قال الشيخ شاكر في شرح المسند (6563) .
(2) أخرجه أحمد في المسند (170/ 2) ، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) [280/ 7) [رواه أحمد والبزار والطبراني وفيه عطاء ابن السائب وقد اختلط)، قلت: وهو عند البزار في (الفتن) [131/ 4) بلفظ آخر، وصححه الشيخ شاكر في شرح المسند (6588) .