الصفحة 9 من 164

وفي (شفاء العليل) [1] يقول: إن الطبيعة البشرية مشتملة على الخير والشر والطيب والخيث وذلك كامن فيها كمون النار في الزناد، فخلق مستخرجا لما في طبائع أهل الشر من القوة إلى الفعل، فأستخرج أحكم الحاكمين مافي قوي هؤلاء من الخير الكامن فيها ليترتب عليه أثارها، ومافي قوي أولئك من الشر ليترتب عليه أثارها وتظهر حكمته في الفريقين وينفذ حكمه فيهما ويظهر ما كان معلوما له مطابقا لعلمه السابق.

ونواصل تحديد المقتضي الواقعي أو قيمة الواقع في تحقيق الإظهار ويعلمنا القران تلك القيمة من خلال إثبات أن للواقع دلالة على علم الله فيقول عز وجل: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) . وقوله عز وجل: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) حيث أن دلالة العلم هنا هي الحديث في الواقع لأن الله يعلم قبل الحدوث في الواقع من يتبع الرسول ويعلم من ينصره ولهذا جاء في تفسير (إلا لنعلم) إلا لنري؛ لأن الرؤية تتعلق بالموجود والعلم أعم من الرؤية فإنه يتعلق بالموجود والمعدوم [2] .

واعتبار أن للواقع دلالة على علم الله يأتي من أن الواقع الذي يحدث مكتوب ومعلوم، فينشيء الله الواقع وفق علمه وكتابته بقدرته. وعندما يتوافق ما علمه الله سبحانه وتعالى وكتبه مع ما وقع بحكمته يصير الواقع مظهرا للعلم والقدرة والحكمة.

واعتبار الواقع دلالة للعلم الإلهي حقيقة بني عليها الحساب ثوابا وعقابا، ولهذا يقول ابن القيم في تفسير: (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) . ما يؤكد هذه القاعدة فيذكر أن كل أحد يأتي الله سبحانه ذلك اليوم معه سائق يسوقه وشهيد يشهد عليه، وهذا غير شهادة جوارحه وغير شهادة الأرض التي كان عليها له أو عليه، وغير شهادة رسوله والمؤمنين، فإن الله سبحانه ليستشهد على العبيد الحفظة والأنبياء والأمكنة التي عملوا عليها الخير والشر، والجلود التي عصوه بها، ولا يحكم بينهم بمجرد علمه وهو أعدل العادلين وأحكم الحاكمين [3] ...

ويذكر ابن القيم في حكمة خلق الواقع قوله: ومنها ظهور آثار أسمائه وصفاته على تنوعها وكثرتها في الوجود الذهني والخارجي فيعلم عباده ذلك علما مطابقا لما في الواقع [4] .

وحد الإظهار لا يتوقف عند الحدوث والإيجاد في الواقع فحسب، ولكنه يبلغ درجة تجسيد الأعراض، مثل أن يصبح الموت كبشآ ويذبح بين الجنة والنار، ومثل تعاطف التسبيح والتحميد والتهليل حول العرش ويصبح له دوي كدوي النحل، ومثل تمثيل العمل لصاحبه رجلا في قبره، ومثل أن تصعد الصلاة المقبولة وتقول لصاحبها: حفظك الله كما حفظتني، وكذلك الصلاة غير المقبولة وتقول ضيعك الله كما ضيعتني، ومثل أن تجيء سورة البقرة وآل عمران في صورة غمامتين.

ويقول ابن القيم في كتاب حادي الأرواح [5] والتفسير القيم [6] : والله ينشىء من الأعراض أجساما تكون الأعراض مادة لها، وينشىء من الأجسام أعراضا، كما ينشىء سبحانه من الأعراض أعراضا ومن الأجسام أجساما، والأقسام الأربعة ممكنة ومقدورة للرب تعالى ...

(1) شفاء العليل في القضاء والقدروالحكمة والتعليل.

(2) ابن كثير ص 404 تفسير سورة العنكبوت.

(3) الفوائد ص 70

(4) شفاء الغليل.

(5) ج 1 ص 246/ 251

(6) ص 354

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت