ج) أن الأختلاف في الفروع هو الأمر الذي يمكن التسليم بوجوده ويستحيل عدمه، ولهذا أورده ابن القيم في إثبات سنة الاختلاف في أول العبارة (وهكذا جري الاختلاف بين سائر الخلائق حتى حكى الله تعالى الاختلاف اليسير الذي لايضر عن الملائكة وبعض الأنبياء) ، وقال في أخر العبارة فصار مجموع ذلك دليللا قاطعا على أن العادة قد استمرت بوجوب الاختلاف في الأحكام عند التفاصيل في العلم والحكمة.
الحقيقة الثانية: في الاختلاف هي أن التفاوت في العلم سبب أصلي في هذه الظاهرة، يقول ابن القيم: وذلك يوجب استقباح العالم أفعال الأعلم قدر ما بنيهما من التفاوت، فأولي وأحري أن يوجب استقباح الجاهل لبعض أفعال الأعلم على قدر ما بينهما من التفاوت.
وقصة موسى والخضر مثال لحقيقة التفاوت في العلم وأثره في المواقف.
والمقتضي المنهجي لتلك الحقيقة هو الأمر بالعلم لزيادته ومعالجة التفاوت العلمي الضخم بين أصحاب الدعوة.
الحقيقة الثالثة: إن اختلاف، كسنة واقعة بقدر الله، هي بذاتها محصلة لمجموعة من السنن الاجتماعية والنفسية لايمكن تفاديها هي الأخرى، مثل سنن القلب البشري التي تؤكد تأثير السلوك على القلوب، من غير حيلة من الأنسان كقوله صلى الله عليه وسلم: لاتختلفوا فتختلف قلوبكم [1] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وماتنافر منها اختلف [2] ، وقد وضح من الحديثين أن الحقيقة هو تفادي الخلاف قدر المستطاع، وهو مضمون قول النبي صلى الله عليه وسلم: أقرءوا القران ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفت فقوموا [3] ، وكذلك ترك الجدل والمراء، لقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وهو محق [4] ، ولعلنا نلاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بترك المراء رغم اعتقاد الطرف الذي سيترك المراء بأنه على حق لأن الرسول قال: وهو محق.
والحقيقة الرابعة ... في مواجهة الخلاف: هي اليقين بأن هناك من بين الناس من يسعي إلى الاختلاف ويبحث جاهدا عنه، وعلى تلك الحقيقة المشاهدة في الواقع دلييل وهو قول ابن عباس: خلق الله للاختلاف أهل وذلك في تفسير قول الله: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) ، مما يعني أن هناك من خلق للاختلاف بجبلته وطبيعته، وأن لهذه الفئة شواهد سلوكية وإن مقتضى ذلك منهجيا هو حماية واقع الدعوة من تلك الفئة والتحذير منها ومقاومتها.
ولما كان الاختلاف هو مقتضى لإظهار أثر أسم الله الحكم لزم أن يكون الاتفاق ظاهرة قدرية خالصة وذلك باعتبار استثناء من طبيعة لخلق التي أرادها الله وهذا هو المعنى الثاني المأخوذ من قول الله عز وجل: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) .
فيصبح الأتفاق مقتضي اسم الرحمن كما ان الاختلاف مقتضي اسم الحكم فلا يخرج الخلق بكل أحوالهم عن مقتضيات أسماء الله الحسنى.
(1) أبو داود في الصلاة 664 والنسائي 89 - 90/ 2 في الامامة وسنده صحيح
(2) أخرجه البخاري في الأنبياء 369/ 6 من حديث عائشة. واخرجه مسلم في البر والصلة رقم 2638 من حديث أبي هريرة.
(3) متفق عليه: البخاري في فضائل القران باب اقرؤوا القران ما ائتلف عليه قلوبكم ومسلم في العلم 2667 من حديث جندب بن عبدالله الجبلي.
(4) سنده صحيح أو حسن اخرجه أبو داود في الأدب رقم 480 من حديث أبي أمامة الباهلي.