الصفحة 124 من 164

وفي تفسير عناصر مشكلة الاختلاف، تأتي بعض أيات من سورة النحل مجتمعة حول تلك المشكلة حيث جاء قول الله: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، وفي هذه الآية، ان الكتاب نزل لتبيين الاختلاف وهدي ورحمة لقوم يؤمنون ثم جاء بعدها: (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) ، والعلاقة بين الايتين هي العلاقة بين الهدى وماء السماء وهي العلاقة الثابتة هي نصوص كثيرة، ومنها قول النبي صلى الله عليه والسلام: إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيب أصاب أرضا فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب والكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها.

الناس فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا، وأصابت طائفة منها أخرى إنما هي قبعان لاتمسك الماء ولاتنبت الكلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني ونفع به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدي الله الذي أرسلت به [1] .

والذي يؤكد أن المقصود بالماء هو التمثيل بالهدى هو التعليق على ظاهرة نزول الماء بقوله عز وجل: (لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) ، ثم جاء بعدها: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) .

والعلاقة بين الآية والتي قبلها من الايات هي تحديد صورة كونية بالفصل بين اللبن وبين الفرث والدم، كما بفصل بين الهدى وبين الضلال فلا يختلطان، ثم جاء بعدها قوله عز وجل: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) لتبين لنا صورة كونية لفعل الإنسان في تحول الأشياء عن أصلها وتغير فطرتها مثلما يتحول الهدى بالاختلاف والابتداع عن طبيعته في عقول الناس وأفهامهم وبالايتين الاخيرتين يتحقق التقابل بين اللبن والخمر وهما المثلان الكونيان وهما المثلان الكونيان المضروبان للهدي وللغواية في حديث الاسراء والمعراج: حيث يقدم جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم لبنا وخمرا فاختار اللبن، فقال له جبريل: اخترت الفطرة ولو اخترت الخمر لغوت أمتك والذي يؤكد أن هذا هو المقصود من الآية (سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا) هو أن السكر هو الخمر والرزق الحسن هو أكل الثمر قبل أن يصير خمرا والتعقيب يؤكد ذلك بقول الله عز وجل (إذ في ذلك لايات لقوم يعقلون) ، إذ ان التعقيب يتفق مع عبرة تحول الأشياء إلى خمر ولايتفق مع معنى التحريم الشرعي للخمر، فالمقصود هو معنى التحويل لامعني التحريم ولذلك يذكر ابن القيم هذه الحقيقة بصورة مباشرة فيقول: (الشراب المعتصر من العنب فإنه طيب يصلح للدواء والاصلاح للغذاء والمنافع التي يصلح لها فهو خلي على حاله لم يكن الا طاهرا صحيا ولكن أفسد بتهيئته للسكر واتخاذه مسكرا، فخرج بذلك عن خلقته التي خلق عليها من الطهارة والطيب فصار أخبث شئ وانجسه. فلوا انقلب خلا وزال تغير الماء كان بمنزلة رجوع الكافر إلى فطرته الأولى، فأن الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها، والله أعلم.

(1) البخاري في العلم باب فضل من غلم وعلم رقم 2282 في الفضائل من حديث أبي موسى الأشعري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت