أم أنه لا يتوقف وتدخل أطراف الحق جميعا رغم اختلافها كطرف تدافع مع الباطل؟ أم أن هذا لا يجوز ولا يصلح إلا أن يدخل أحد أطراف الحق في هذا التدافع؟ وإن كان الأمر كذلك فما شروط الطرف الصالح للدفع؟
والإجابة: أن التدافع بين الحق والباطل لا يتوقف لحظة وأن دخول الحق بأطراف مختلفة ومتعددة يبطل الفاعلية القدرية للطرف الإسلامي في الدفع، وأن الحق يجب أن يدخل في التدافع بموقف واحد وطرف واحد.
وعلى هذا فإن المقتضي المنهجي لهذا الافتراض هو السعي إلى قيام الجماعة الواحدة وتحقيق وحدة الموقف فإذا لم نستطع تحقيق هذا الهدف فإن التدافع يقوم بين أحد أطراف الحق مع الجاهلية.
ولكن الطرف القادر على القيام بمهمة التدافع فيه عدة شروط:
1)أن يمارس محاولة وحدة الموقف على مستوي جميع أطراف الحق، وقيام الجماعة الواحدة بصفة عملية وواقعية؛ وليست بصورة نظرية أو فكرية.
2)أن يبلغ هذا الطرف القائم على هدف قيام هذه الجماعة الواحدة حد الاستطاعة في وحدة الوقف الإسلامي قبل الدخول في مرحلة الدفع.
وبلوغ حد الاستطاعة في محاولة الوصول إلى الموقف الواحد له نتائج قدرية محددة: وتحديد هذه النتائج قائم على أساس استحالة توقف الدفع لسبب الاختلاف. وكذلك استحالة دخول الدفع بأطراف مختلفة. وعلى هذا الأساس لا يبقي إلا بلوغ حد الاستطاعة عمليا، في جمع أطراف الحق، والخول في الدفع بعد تلك المحاولة.
فإما أن يتحقق النجاح في المهمة، فيجمع الله بقدرته ورحمته بين أصحاب الحق ويدخل الطرف الإسلامي في الدفع مجتمعا بصورة صحيحة.
وإما أن يكون العجز؛ وفي هذه الحالة يحقق الله بقدرته وعدله للطرف صاحب محاولة التجميع، الفاعلية القدرية المستحقة لجميع أطراف الحق في الصراع.
والمقتضي المنهجي للافتراض الرابع هو أهم المقتضيات باعتباره مواجهة أخطر الافتراضات وهو تعدد أطراف الحق وهذا المقتضي هو:
مواجهة الاختلاف ... وتقوم على أربعة حقائق:
الأولى: أن الاختلاف سنة ثابتة، وهي راجعة إلى مقتضى اسم الله (الحكم) ؛ ذلك أن مقتضى هذا الاسم أن يختلف الخلق ويتخاصمون، ولهذا يقول ابن القيم: وهكذا جري الاختلافات بين سائر الخلائق. حكى الله تعالى الاختلاف اليسير الذي لا يضر عن الملائكة وبعض الأنبياء عليهم السلام فقال تعالى حكاية عن رسوله: (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُون) ، وحكى ما جري بين داود وسليمان، عليهما السلام، من الاختلاف في حكم الغنم، إذ نفشت فيه غنم القوم إلى قوله سبحانه: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) ، وحكى ما جرى بين موسى وهارون، عليهما السلام، حتى قال هارون لموسي: (لا تَاخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَاسِي) ، وقال: (فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ) .
وثبت في الحديث اختصام ملائكة الرحمة وملائكة العذاب في حكم الذي قتل مائة نفس ثم تاب، وبعث الله ملكا يحكم بينهم، فحكم لملائكة الرحمة.
وثبت أيضا محاجة آدم وموسي في الخروج من الجنة. فصار مجموع ذلك دليلا قاطعا على أن العادة قد استمرت بوجوب الاختلاف في الأحكام عند التفاصيل في العلم والحكمة.
والتصور المنهجي لثبوت الخلاف كحقيقة قدرية تقوم على ثلاث عناصر:
أ) أن قدر الاختلاف من الأقدار التي لا تؤخذ بالتسليم، ولكن تؤخذ بالدفع. بمعني أن قدر الاختلاف يدفع بقدر التآلف.
ب) أن تحديد منهج الدعوة مداره الأمر التكليفي، فإذا كان هناك نص إخباري بأن الأمة ستختلف ونص تكليفي بالتألف وجب الأخذ بالنص التكليفي وعدم الاحتجاج بالنص الإخباري كدليل على استمرار الاختلاف.