والمقتضي المنهجي لهذا الافتراض هو أن الفرق بين واجب إثبات العداء لجميع أطراف الجاهلية وبين إمكانية المواجهة العلمية لأحد هذه الأطراف فنحن نعادي جميع الأعداء تصورا واعتقادا ولكنا نواجه ونقاتل في حدود إمكانياتنا العملية فنختار في تلك الحدود أنسب أتجاهات العداء وأطرافه. وقد يتغير هذا الأتجاه حسب الظروف والأحوال ولكنه دائما هو الاتجاه الذي يمثل الخطر الأول على الدعوة وهو تفسير قول الله عز وجل: (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) ، يعني الذين يمثلون أقرب خطر عليكم وبذلك يتحقق التوازن العسكري في الدفع بين الإسلام والجاهلية.
الافتراض الثاني: وهو قيام بين طرف الحق الواحد وجميع أطراف الباطل، وهذا التدافع هو الذي يتطلب توازنه تدخلا قدريا مباشرا يحفظ الحق الواحد أمام اجتماع اطراف الباطل، وهذا التدخل هو سنة هزيمة الأحزاب.
والمقتضي المنهجي لهذا الافتراض هو محاولة فك الارتباط بين أطراف الباطل المجتمعة ولعل أبرز أمثال لذلك مافعله نعيم بن مسعود غي غزوة الأحزاب حيث أوقع بين اليهود في المدينة ومشركي مكة بعد أن أستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فأذن له قائلا: خذل عنا إن شئت [1] .
وإذا كان الدعاء هو أساس النصر في كل أحوال المواجهة، فإنه في هذا الافتراض يبرز بصورة أوضح وأكبر، وذلك باعتبار أن الأمر هنا هو تدخل قدري، وهو الدعاء المعروف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب، وهازم الأحزاب أهزمهم انصرنا عليهم) [2] .
الإفتراض الثالث: وهو قيام التدافع بين الأطراف المتعددة للباطل وهو التدافع المحقق للتوازن بين الحق والباطل باعتبار أن هذا التدافع يحقق اختصارا لأطراف للباطل ويهييء الواقع لصالح طرف الحق. وأوضح الأمثلة هو القتال الذي كان قائما بين الروم والفرس.
والمقتضي المنهجي لهذا الافتراض هو نفس ما كان في القرآن الكريم بالنسبة للقتال الذي كان دائرا بين الروم والفرس وهو المتابعة والتقييم: (غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ) ، وهو ما يتطلب منا أن نملك التصور السياسي للواقع العالمي؛ لكي نتمكن من المتابعة الصحيحة والتقييم الصحيح للقوي العالمية وعلاقتها، والأحداث التي تكون بينها، وأثر ذلك كله على واقع الدعوة الإسلامية.
وليكن مفهوما أن هناك حقيقة خطيرة في المقتضي المنهجي للعلاقة بين أطراف الباطل وهي أن يسبق التصور السياسي الذي يحقق المتابعة والتقييم وإدراك الأثر، هو علمنا أن موقف، أصحاب الدعوة الصحيح هو الذي يحقق آثارا جوهرية في أحداث العالم؛ وذلك بصورة قدرية خالصة وتامة؛ وهذا لأن صواب موقف اصحاب الدعوة هو الذي ينشيء استحقاقهم للنصر والغلبة، وأن نشأة هذا الاستحقاق تعني أن يحدث مقتضاها في الواقع البشري، وأن هذا المقتضي هو تهيئة ظروف العالم وواقعة لحدوث هذا النصر؛ وتلك الغلبة وهذا ما فهمه الصحابة من دلالة انتصار الروم على الفرس.
الافتراض الرابع: تعدد الحق في أطراف مختلفة (يعني واقع الفتنة) ، وهذه الحالة تفرض علينا أن نعرف كيف يتم التدافع بين الحق بتعدده في أفهام أصحاب الدعوة واختلاف مواقفهم مع الباطل، هل يتوقف التدافع بتعدد فهم الحق وأطرافه؟
(1) أخرجه الشيرازي في الألقاب والكني من حديث نعيم ابن مسعود الأشجعي، ضعفه السيوطي في جامعة الصغير ومن بعده الألباني، وعزاه المناوي إلى أبي نعيم والديلمي.
(2) البخاري في الجهاد باب الدعاء على المشركين - وفي مواضع أخرى - ومسلم في الجهاد أيضا رقم (1742) من حديث ابن أبي أوفي.