الصفحة 120 من 164

وهذه الصورة تدل على أن الواقع والسلوك البشري منقسم بصفة طبيعية. ولا بد من تبيين هذين الحزبين.

ولهذا يقول ابن القيم: فإن الفرق أمر ضروري للإنسان؛ فمن لم يكن فرقة قرآنيا فلا بد له من قانون يفرق به: أما سياسة فرقة منه أو من غيره ورأي منه أو من غيره، أو يفرق فرقا بهيميا حيوانيا بحسب شهوته وغرضه أين توجهت. ويواصل ابن القيم تحديد معنى الفرق أو حقيقة المفاصلة من خلال طبيعة النفس البشري وجبلتها؛ فيقول: إن الإنسان خلق عرضة للذة والألم والسرور والفرح وذلك من جهتين.

من جهة تركيبة وطبيعة وهيئته؛ فإنه مركب من أخلاط متفاوتة متضادة يمتنع أو يعز اعتدالها من كل وجه؛ بل لا بد أن يبغي بعضها على بعض، فيخرج عن حد الاعتدال فيحصل الألم.

ومن جهة بني جنسه؛ فإنه مدني بالطبع لا يمكنه أن يعيش وحده؛ بل لا يعيش إلا معهم، وله ولهم لذات ومطالب متضادة ومتعارضة لا يمكن الجمع بينها، بل إذا حصل منها شيء، فات منها أشياء، فهو يريد منهم أن يوافقوه على مطالبه وإرادته، وهم يريدون منه ذلك، فإن وافقهم حصل له من الألم والمشقة بحسب ما فاته من إرادته، وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه وسعوا في تعطيل مراداته، كما لم يوافقهم على مراداتهم، فيحصل لهم من الألم والتعذيب بحسب ذلك، فهو في ألم ومشقة وعناء، وافقهم أو خالفهم، ولا سيما إذا كانت موافقتهم على أمور أنها حقائق باطلة وإرادات فاسدة وأعمال تضره في عواقبه. وفي موافقتهم أعظم الألم، وفي مخالفتهم حصول الألم.

فالعقل والدين والمروءة والعلم تأمره باحتمال أخف الألمين تخلصا من أشدهما بإيثار المنقطع منهما لبنجوا من الدائم المستمر.

فمن كان ظهيرا للمجرمين من الظلمة على ظلمهم ومن أهل الأهواء والبدع على أهوائهم وبدعهم، ومن أهل الفجور والشهوات على فجورهم وشهواتهم ليتلخص بمظاهراتهم من ألم أذاهم، أصابة من ألم الموافقة لهم عاجلا واجلا أضعاف أضعاف مافر منه.

وسنة الله في خلقه أن يعذبه بمن وافقهم وظاهرهم.

وإن صبر على ألم مخالفتهم ومجانبتهم أعقبه ذلك لذة عاجلة واجلة تزيد على لذة الموافقة بأضعاف مضاعفة وسنة الله في خلقه أن يرفعه عليهم ويذلهم بحسب صبره وتقواه وتوكله وإخلاصه.

وإذا كان لابد من الألم والعذاب، فذلك لله وفي مرضاته ومتابعة رسله أولى وأنفع منه في الناس ورضائهم وتحصيل مراداتهم.

وفي تفسير قول النبي: إنه لايذل من واليت يقول ابن القيم: فإنه منصور عزيز غالب بسبب توليه له. وفي هذا تنبيه على أن من حصل له ذل من الناس فهو بنقصان مافاته من تولي الله، والا فمع الولاية المتكاملة ينتفيي الذل كله ولو سلط عليه بالأذي من في أقطارها فهو العزيز غير الذليل.

ب) أفتراضات التدافع:

وهناك حقيقة هامة إطار مفهوم التدافع وهو أن الحق واحد يمثله طرف واحد، والباطل متعدد بمثله أطراف متعددة، وأن العداء ثابت بين هذا الحق الواحد وجميع أطراف الباطل المتعددة.

غير أن التدافع وهو المواجهة العملية القائمة على هذا العداء يقوم في الواقع بعدة افتراضات:

الافتراض الأول: وهو قيام التدافع بين طرف الحق الواحد وأحد أطراف الباطل، وهذا التدافع هو المتوازن قدرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت