ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكن رضى بالتحريش بينهمم) [1] ، ندرك العلة من رضي الشيطان بالتحريش بين المصلين بعد اليأس من أن يعبدوه، وهو أن الغاية التي ترضي الله هي الأمة الواحدة التي تعبد ربا واحدا فلما يئس الشيطان من جعله المصلين لايعبدوا ربا واحدا انتقل إلى تضييع واقع الأمة الواحدة فيتحقق بالتحريش منع مايحقق رضى الله عنه سبحانه بقيام الأمة الواحدة التي تعبد ربا واحدا.
وعلى أساس أن الجماعة هي الصفة الأصلية للخلق البشري فقد تحققت الأقدار فيهم على أساس المسئولية المشتركة في وقوع العذاب على القوم لكثرة الفساد أو إذا وجدت المعصية فيهم.
وهذا حديث يؤكد مفهوم المسئولية على أساس الجماعة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (غزا نبي من الأنبياء فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار لتأكله. فأبت أن تطعمه فقال فيكم غلول. فليبايعني من كل قبيلة رجل. فبايعوه فلصقت يد رجل بيده. فقال فيكم الغلول. فلتبايعني قبيلتك. فبايعته قال فلصقت بيده رجلين أو ثلاثة. فقال: فيكم الغلول. أنتم غللتم. قال: فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب قال: فوضعوه في المال وهو بالصعيد فأقبلت النار فأكلته) [2] .
وباعتبار أن الجماعة هي الصفة الأصلية للخلق البشري كان فقد الجماعة علامة من علامات الساعة التي تأتي في إطار فقد التوازن الكوني والدليل هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة من علامات الساعة: شح مطاع، وهوي متبع، وإعجاب كل ذي رأي برأية) ، وهي العلامات التي يستحيل معها التجمع.
3)وبالتصور القدري للجماعة نمتد إلى قضية الولاء:
وهو مقتضى اسم الله (الولي) ، كما أنه مقتضى أسماء (المعطي، المانع، المعز، المذل، الرزاق، القادر، المحيي، المميت) ، وهي الأسماء التي ورد مقتضاها في قول الله عز وجل: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ) .
إذ جاء بعدها: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) .
وفي سورة المجادلة جاء الولاء كمقتضي لما كتبه الله بغلبته سبحانه ورسله، ثم جاء كدليل على ما كتبه الله من الإيمان في القلوب والتأييد بروح من الله.
وذلك في قول الله: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌلا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ، فدل ذلك على أن الولاء هو الحقيقة الأساسية في قدر الله بغلبة هذه الأمة وإيمانها وتأييدها ودخولها الجنة وقول الله: (أولئك حزب الله) دل على أن البشر على حزبين حزب الله وحزب الشيطان.
(1) مسلم في المنافقين رقم 2812 من حديث جابر رضي الله عنه.
(2) البخاري في الجهاد باب (أحلت لكم الغنائم) ، ومسلم في الجهاد (1747) من حديث أبي هريرة وسبق تخريجه.