قول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ أُخَالِفَ إلى مَنَازِلِ قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهم" [1] .
ففي هذا الحديث كان الفعل هو ترك الصلاة في المسجد بغير عذر، وكان الجزاء أو العقوبة الأصلية هو الحرق، فلما كان هذا الأمر مستحيلًا لوجود النساء والأطفال الذين لا تجب عليهم الصلاة في المسجد؛ اشتعلت النار أيضًا ولكن بصورة نفسية؛ وهي الحرب التي تشتعل مثل النار كما قال تعالى: {ِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (المائدة:64) .
فتتوتر العلاقات الأسرية وتتفكك ويشكو البيت نارًا غير مرئية؛ فعندما نجد أسرة مفككة الأوامر أو متشاكسة الطبع أو عصبية المزاج فلا نبتعد كثيرًا عن تلك العلة وهي ترك الصلاة المفروضة في المساجد.
فالحديث يثبت أن الأثر النفسي يساوي العقوبة الأصلية عند استحالة حدوثها.
وقال - صلى الله عليه وسلم: [مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ] [2] . وقال أيضًا: [ .. كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ] [3] .
فحبوط العمل كان عقوبة أصلية، ولكن الأثر النفسي المساوي لها هو إحساس الإنسان بفقد أهله وماله، ومع ذلك فإن هذا الإحساس بذاته وإن ذكر كمساوي للعقوبة الأصلية إلا أن هذه العلاقة المباشرة بينه وبين الذنب قائمة؛ فالذي يترك صلاة العصر ركونًا إلى الأهل ورغبة في الأولاد سيحرمه الله بمشيئته من الفرح بهم وكأنه فقدهم.
ولما كان الجزاء دليلًا على السلوك.
وكان السلوك دليلًا على الشخصية.
كان الجزاء دليلًا على الشخصية.
وهذا مضمون قول الله عز وجل: {نْ، وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُون (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم 3:1) .
فقررت الآيات الكمال لشخصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما ذكرت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له الكمال في الأجر: {وإن لك لأجرًا غير ممنون} أي: غير منقوص.
ومن المفاهيم التحليلية الناشئة عن مصطلح الدين بمعنى الجزاء أن الحسنة جزاءها أن يوفق العبد لحسنة أخرى مثلها.
(1) [متفق عليه] أخرجه البخاري في (الأذان / بـ وجوب صلاة الجماعة / ح 644) ، ومسلم في (المساجد ومواضع الصلاة / بـ فضل صلاة الجماعة وبيان التشدد في التخلف / ح 651) من حديث أبي هريرة.
(2) [صحيح] أخرجه البخاري في (مواقيت الصلاة / بـ من ترك العصر / ح 553) من حديث بريدة بن الحصيب.
(3) [متفق عليه] أخرجه البخاري في (مواقيت الصلاة / بـ إثم من فاتته العصر / ح 552) ، ومسلم في (المساجد ومواضع الصلاة / بـ التغلظ في تقويت صلاة العصر / ح 626) من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ] .