••ومثال قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك المراء وهو محق .." [1] . فكان جزاء ترك المراء هو أن يكون له بيت لأن المراء قلق واضطراب وتوتر فيكون السكون في الجنة بالبيت.
ولماكان المراء محاولة للظهور والتميز ولفت الأنظار، كان جزاء تركه أن يكون البيت في وسط الجنة وأعلاها؛ لأن الربض هو أوسط المكان وأعلاه كما في لسان العرب.
فيتحقق له السكون بالبيت ويتحقق له التفات الأنظار إليه بالوسطية وتحقق الظهور بالارتفاع.
فأصبح الجزاء تحليلًا مباشرًا لطبيعة السلوك وهو ترك المراء.
ومن أمثله التجانس بين السلوك والجزاء، وهو قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ النَّاسِ يَعْلُوهُمْ كُلُّ شيء مِنْ الصَّغَارِ حَتَّى يَدْخُلُوا سِجْنًا فِي جَهَنَّمَ يُقَالُ لَهُ بُولَسُ فَتَعْلُوَهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ عُصَارَةِ أهل النَّارِ" [2] . فهم مثل الذر لأن الكبر انتفاخ , فكانوا في منتهى الضآلة.
و يدخلون سجنًا في جهنم لأن المتكبرين كانوا يتصورون تميزهم عن غيرهم فتميزوا عن أصحاب جهنم بمكان خاص جزاء علي الإحساس بالمكانة الخاصة وكما علاهم الناس في الحشر يوم القيامة تعلوهم النساء في جهنم
وكما كان لهم مكان خاص كانت لهم نار خاصة (نار الأنيار) حتى وصف أن وصف النار يُذكر بوصفهم لأنفسهم مثل (شاهنشاه) يعني (ملك الملوك) أو عظيم العظماء.
ولا انخفاض أكثر مما تحت الأقدام. وقد كانوا يحاولون الظهور ويتعالون، وهم الآن يطأهم الناس دون أن يرونهم فلا مكانة لهم يعرفون بها. ومن أمثله التجانس بين السلوك و الجزاء
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جزاء الصلح بين الناس أن يقال له: خذ ما شئت من الأجر؛ لأن الذي يصلح بين الناس لن يجد جزاء عند أى طرف من الأطراف الذين أصلح بينهم، فكان عند الله الجزاء، ولأنه وضع نفسه برغبته فكان الجزاء أن يحدد بنفسه وبرغبته الأجر.
••حديث من كظم غيظًا لله تعالى يقال له: خذ ما شئت من الحور العين [3] ؛ لأن الغيظ كبت وحبس ومنع؛ فكان مناسبًا أن يكون الانطلاق وتحقيق الرغبة المطلقة بأن يأخذ من الحور العين ما يشاء.
ومن قواعد التجانس بين العمل والجزاء: الموازنة بين الجزاء الأصلى للفعل والأثر النفسي للجزاء.
ولنضرب لذلك مثلًا وهو:
(1) [صحيح] أخرحه أبو داود في (الأدب / بـ في حسن الخلق / ح 4800) من حديث أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ] ، وحسنه الشيخ الألباني في (السلسلة الصحيحة / 1/ 552 / ح 273) .
(2) [حسن] أخرجه الترمذي في (صفة القيامة والرقائق والورع / بـ منه / ح 2492) من حديث ابن عمرو، و قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح اهـ، وحسنه الشيخ الألباني في (صحيح الجامع / 2/ 1335 / ح 8040) .
(3) [صحيح] أخرجه الترمذي في (البر والصلة / بـ في كظم الغيظ / ح 2021) ، وأبو داود في (الأدب / بـ من كظم غيظًا / ح 4777) ، وابن ماجة في (الزهد / بـ الحلم / ح 4239) من حديث معاذ بن أنس، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وحسنه الشيخ الألباني في (صحيح ابن ماجة / 2/ 407 / ح 3375) .